السياسة الأميركية المعادية لروسيا والصين، والمعتمدة من قبل الإدارات المتعاقبة في العقدين الأخيرين، قدمت باعتبارها دليلاً واضحاً على افتقاد هذه الإدارات أولوية استراتيجية واضحة. فالقرار بمواجهة «صعود الصين السلمي» وعودة روسيا إلى الساحة الدولية في آن واحد، دفع البلدين إلى تعزيز علاقاتهما وتعميقها، بعد أن سادها التوتر وانعدام الثقة في ماضٍ ليس شديد البعد، والانتقال إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية. ليس سراً أن أوساطاً وازنة في النخب السياسية والعسكرية الأميركية والغربية ترى في الصين التهديد المستقبلي الأكبر على المستوى الاستراتيجي، بسبب تقدمها التكنولوجي المذهل، وتطبيقاته العسكرية المقبلة في زمن قريب، واقتصادها الحيوي، وترى أن التركيز على احتوائها ينبغي أن يكون الأولوية الأولى لدوله. غالبية هؤلاء مقتنعون أيضاً بأن «تحييد» روسيا، عبر تقديم «محفزات» مختلفة إليها، ضرورة قصوى للنجاح في عملية احتواء الصين. لكن قطاعاً آخر داخل النخب المشار إليها، واسع الانتشار في مؤسسات الدولة العميقة الأميركية وبيروقراطيات الديموقراطيات الأوروبية، ما زال ينظر إلى روسيا على أنها التهديد الأخطر على المستوى العسكري، ولكونها تتبع سياسة إعادة تموضع وتدخل مباشر، كما حدث في جورجيا وأوكرانيا وسوريا، وهو يدفع إلى التصدي لها قبل، أو في موازاة الصين.

المواقف الأخيرة للرئيسين الأميركي والفرنسي تظهر انحيازهما، كل من موقعه، إلى وجهة النظر الأولى، في مقابل أنصار الثانية، وعزمهما على السعي إلى «إغواء» الرئيس الروسي لمحاولة إبعاد بلاده قدر المستطاع عن الصين. وبشأن علاقة دونالد ترامب تجاه روسيا وصلاته الخاصة بعدد من قادتها السياسيين ورجال أعمالها البارزين، أسالوا الكثير من الحبر في وسائل الإعلام الأميركية والغربية، وكذلك الاتهامات التي وجهت إلى هذا البلد بالتدخل في الانتخابات لمصلحته. ما زال بعض المحللين يجزم حتى اللحظة بأن ترامب ذهب إلى حدّ التخابر نتيجة لضخامة مصالحه المشتركة مع عدد من النافذين فيها، أو لامتلاك أجهزتها الأمنية ملفات محرجة ومضرة له. لم تثبت حتى الآن صحة هذه الاتهامات، لكن المؤكد أن الرئيس الأميركي، بمعزل عن أي اعتبارات شخصية، مهجوس بالتهديد الصيني. لم يتردد أخيراً في الجهر باعتقاده أن الله اختاره ليحارب الصين. فمنذ وصوله إلى السلطة، لم يتوقف عن محاولة التقارب مع روسيا رغم الاعتراض المعلن والتخريب المتعمد لخطواته. آخر هذه الخطوات، التي كشفها موقع «بوليتيكو»، أمره بمراجعة برنامج المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى أوكرانيا، التي تقدر بمئات ملايين الدولارات. أثار تزامن هذه الخطوة، مع تجديده الدعوة إلى ضرورة إعادة روسيا إلى مجموعة الدول الثماني، امتعاض الكثير من أعضاء الكونغرس و«مجلس الشيوخ»، المطالبين بموقف أكثر شدة من موسكو.
الرئيس الأميركي قال، لشرح خلفية موقفه من أهمية دعوة فلاديمير بوتين إلى قمة الدول السبع المقبلة في ميامي، إن «كثيرين مقتنعون بأن وجود روسيا داخل الغرفة (اجتماع القمة) أفضل من وجودها خارجها. أنا أعتقد أنها يجب أن تكون موجودة فيها. هل سأدعو بوتين؟ نعم، بالتأكيد سأدعوه». أُخرجت روسيا من المجموعة بعد ضمّها جزيرة القرم عام 2014، ويجزم العديد من المحللين بأن ترامب يريد أن يلغي قراراً أخذه سلفه باراك أوباما، كجزء من سياسة «محو آثار الرئيس السابق» التي ينتهجها. لكن الغاية الرئيسية لهذا التعاطي مع روسيا هي العمل على تنمية العلاقات والمصالح المشتركة معها لتحفيزها على تجنّب الانتقال إلى درجة أعلى من الشراكة مع الصين؛ البناء الأوراسي الذي سينجم عن مبادرة «حزام واحد، طريق واحد،» وحجر زاويته الشراكة بين البلدين، يتطور باطراد. كابوس ألمع المفكرين الاستراتيجيين الأميركيين يتحقق أمام أنظار صناع القرار في واشنطن.

لا تزال الدولة الأميركية العميقة والبيروقراطية الأوروبية تريان أن روسيا هي التهديد الأخطر


النجاح في تحقيق اندماج أوراسيا يعني ببساطة أنها ستضم ثلاثة أرباع سكان العالم وثلثي مقدراته الاقتصادية. أغنى المناطق بالموارد الطبيعية ستكون جزءاً منها، وكذلك تلك التي تتمتع بأعلى مستوى تطور تكنولوجي، وسيتحول هذا الفضاء إلى المركز الأساسي للتجارة العالمية. إحدى أبرز النتائج الناجمة عن تحقق هذا السيناريو المستقبلي هي انحسار الهيمنة الأميركية كلياً عن العالم، الذي تسميه نخب الإمبراطورية المنحدرة «عودة الولايات المتحدة إلى كونها جزيرة معزولة». الانتشار العسكري حول الصين والدخول معها في سباق تسلح والعمل على زعزعة استقرارها بثورات ملونة أو دامية، سياسات تهدف جميعها إلى منعها من المضيّ في مبادرتها المذكورة. الانفتاح الأميركي على روسيا في الآونة الأخيرة يندرج كذلك في إطار هذه السياسات.
في سياق متصل، يأتي استقبال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، للرئيس الروسي في التاسع عشر من الشهر الجاري، في مدينة بريغانسون، ودعوته إلى «هندسة للأمن والثقة بين الاتحاد الأوروبي وروسيا»، وتأكيده أن «روسيا أوروبية»، وإعلانه عقد قمة رباعية تضم بلاده وروسيا وألمانيا وأوكرانيا لمعالجة الأزمة في الأخيرة، عكست رغبة جلية في توثيق العلاقات بين البلدين. تعرضت مواقف ماكرون لنقد حاد من أوساط سياسية وإعلامية، وهي لا تحظى بتأييد تيار عريض داخل الخارجية الفرنسية «كاره لروسيا» بذرائع كرفض الاستبداد والدفاع عن حقوق الإنسان. بين التفسيرات التي شاعت لتوجهات ماكرون الراهنة تلك التي تفترض أنه يريد تحسين العلاقات مع روسيا باعتبار هذا شرطاً للاستقلالية الاستراتيجية لأوروبا، وتراجع حاجتها لـ«الحماية الأميركية» منها. ربما يكون هذا التفسير دقيقاً، لكن الأكيد أن ماكرون بدوره، المتمسك بمفهوم «الغرب» كانتماء سياسي واستراتيجي وثقافي، ينظر إلى الشراكة الصينية ـــــ الروسية على أنها تحدٍّ استراتيجي لهذا الغرب، وهو يشارك ترامب اقتناعه بضرورة السعي إلى إضعافها بأي ثمن.