غداة إعلان الإدارة الأميركية تعليق المفاوضات مع «طالبان» بحجة مقتل جندي أميركي في هجوم للحركة في كابول، خرجت وسائل الإعلام الأميركية بروايات تناقض هذه الحجة، وقد يبدو أكثرها قرباً إلى الواقع تلك التي نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، والتي كشفت في سياقها أن ترامب قرّر إلغاء قمة كامب ديفيد لأنه لن يظهر بمظهر «صانع الصفقات» من خلالها. بحسب الصحيفة، فقد كان المفاوض الأميركي، زلماي خليل زاد، قد توصل إلى اتفاق مبدئي مع قادة «طالبان» في الدوحة، ولكن قبل مغادرته العاصمة القطرية، طرح فكرة توجّه «طالبان» إلى واشنطن، فقَبِل قادة الحركة بذلك شرط أن تقع الزيارة بعد إعلان الاتفاق. ولكن هذا الشرط أدى عملياً إلى انهيار المحادثات؛ إذ إن ترامب لم يرِد أن يمثل اجتماع كامب ديفيد احتفالاً بالاتفاق، بل فرصة لأن يظهر هو من خلاله وكأنه «صانع الصفقات» الذي يضع اللمسات النهائية بنفسه. وتمحورت فكرته، في هذا المجال، حول استضافة اجتماعات منفصلة في كامب ديفيد مع «طالبان» من جهة، والرئيس الأفغاني أشرف غني من جهة أخرى. لكن الصحيفة نقلت عن مسؤول كبير في «طالبان» قوله إن ترامب كان يخدع نفسه عندما فكّر أنه يمكنه أن يجمع «طالبان» مع أشرف غني في كامب ديفيد، «لأننا لا نعترف بالحكومة المضلّلة».

كذلك، تحدثت كلّ من «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» عن الانقسام الذي أحدثته المفاوضات مع «طالبان» داخل إدارة ترامب. وفي هذا الإطار، أوضحت «نيويورك تايمز» أن الاجتماع الشهير الذي عقده الرئيس مع كبار مستشاريه منتصف الشهر الماضي في شأن أفغانستان فاقم صراعاً قاسياً داخل فريق السياسة الخارجية على مدى أشهر عدة، تمظهر في تأليب وزير الخارجية مايك بومبيو الرأي ضد مستشار الأمن القومي جون بولتون، «ضمن معركة على غرائز رئيس يستمتع بالمفاوضات الصعبة، ووعد في الوقت ذاته بإنهاء حروب أميركا التي لا تنتهي».

أحدثت المفاوضات مع «طالبان» انقساماً داخل الإدارة الأميركية

ونقلت الصحيفة أنه «في الوقت الذي كانوا يناقشون فيه بنود الاتفاق، أكد بومبيو والمفاوض زلماي خليل زاد أنه سيكون بإمكان ترامب البدء بسحب القوات الأميركية، مع ضمان الحصول على التزام من طالبان بعدم إيواء الإرهابيين». أما بولتون فقد رأى أنه «يمكن لترامب أن يفي بتعهّده الذي أطلقه في حملته، أي خفض عدد القوات، من دون أن ينام مع القتلة الذين أسالوا الدماء الأميركية». «لم يتّخذ ترامب قراراً في ذلك الوقت، ولكن فكرة تتويج المفاوضات في واشنطن طفت للحظة ما»، على حدّ تعبير الصحيفة، حتى أن الرئيس الأميركي اقترح دعوة الرئيس الأفغاني - الذي لم تكن حكومته جزءاً من المفاوضات - للتوقيع على الاتفاق. لكن في الأيام التي تلت، لمعت في ذهن ترامب فكرة أخرى، وهي عدم إحضار «طالبان» إلى واشنطن، بل إلى كامب ديفيد، «جوهرة تاج الرئاسة الأميركية»، وفق الصحيفة، التي أضافت أن الأمر انتهى بدلاً من ذلك «بأيام غير عادية من المشاحنات الدبلوماسية، التي أدت إلى إيقاف المحادثات، عبر عاصفة من التغريدات على موقع تويتر»، في عطلة نهاية الأسبوع الماضي. ولفتت «نيويورك تايمز»، أيضاً، إلى أن كشف ترامب عن الخطط السرية عبر سلسلة من التغريدات فاجأ مسؤولي الأمن القومي وأشخاصاً كانوا جزءاً من المداولات.
من جهتها، نقلت صحيفة «ذي واشنطن بوست» عن مسؤول أميركي قوله إن بولتون لم يعارض خفض وجود القوات الأميركية الحالي في أفغانستان إلى 8600 جندي، لكنه رفض أيّ اتفاق مع «طالبان» بدعوى أن ترامب يمكنه الوفاء بوعده الرئاسي بالانسحاب من دون صفقة، بخلاف موقف بومبيو المؤيد لإبرام الاتفاق. وهو ما ذكرته أيضاً «نيويورك تايمز» التي بيّنت أن «رأي بولتون كان أنه يمكن لترامب أن يسحب 5 آلاف جندي من أفعانستان، بينما يُبقي ما يكفي من القوات من أجل المساعدة في جهود محاربة الإرهاب، من دون اتفاق مع طالبان، المجموعة التي لا يمكن الوثوق بها».
في ظلّ كل ذلك، ربما جاء مقتل الجندي الأميركي في أفغانستان ليشكّل مخرجاً للرئيس الأميركي، الذي طالما تميّزت رئاسته بـ«التوق الطموح إلى الجائزة الكبرى، والسعي الذي لا نهاية له لتحقيق ما لم يحققه أي رئيس آخر، والرغبة في تحدّي السائد، وتقلّب المزاج والاقتتال القبلي»، وفق «نيويورك تايمز»، التي رأت أن «ما كان يمكن أن يشكّل أكثر اللحظات أهمية في رئاسة ترامب، ارتُجِل في لحظة، ثم جرى التخلّي عنه في لحظة».



وفقاً لوسائل الإعلام الأميركية، فإن ملف المعتقلين من مقاتلي حركة «طالبان» المعتقلين في السجون الأفغانية مثّل إحدى أبرز النقاط الشائكة في خلال المفاوضات. إذ إن المسؤولين الأفغان اعتبروا أن الأميركيين «تفاوضوا بحرية بالنيابة عنهم»، وذهبوا إلى حدّ الموافقة على إطلاق سراح هؤلاء المعتقلين، وهو ما عدّته حكومة أشرف غني أمراً غير مقبول، راهنة قبولها إياه بموافقة «طالبان» على وقف موسّع لإطلاق النار، الأمر الذي كان من الصعب تحقيقه في المرحلة التي بلغتها المفاوضات.