لقاء رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، جزء لا يتجزأ من حملته الانتخابية، وهو واحد ضمن سلّة جولاته الأخيرة في الخارج، وإن عمد إلى تظهير «استراتيجية» الزيارة في تغريداته، قبل أن يستقل الطائرة إلى سوتشي. هذا هو الإطار العام لزيارة نتنياهو أمس مهما قيل وأطلق من مواقف فيها، إذ يصعب فهمها في سياق أمني خاص يشير إلى تغيير ما في سياسة إسرائيل تجاه الساحة السورية والمواجهة التي تقودها ضد محور المقاومة، علماً بأنه في المقابل، في السياق الانتخابي الإسرائيلي، يبحث الرجل عن أي شيء يؤثر في الناخبين ويدفعهم إلى التصويت له.

من ناحية ثانية، يتعلق تحديد الاتجاهات في هذه المرحلة (بكل ما يرتبط بساحات المواجهة الإسرائيلية مع أعدائها، بما يشمل سوريا) بنتيجة التطورات الأخيرة التي بدأت مؤشراتها ترد من واشنطن ومن شأنها التأثير في المشهد الإقليمي برمته، مع توجهات جديدة للرئيس دونالد ترامب تجاه طهران، وبدء حديث جدي عن اعتماد الخيارات الدبلوماسية معها، وهو ما لا يتساوق مع توجهات إسرائيل ونتنياهو. على هذه الخلفية، تأتي تغريدة الأخير: «هذه الرحلة مهمة جداً. في هذا التوقيت، نعمل على جبهات عدة لضمان أمن إسرائيل مقابل المحاولات الإيرانية وأتباعها مهاجمتنا على الساحة السورية». وأضاف: «من المهم لنا المحافظة على حرية عمل الجيش الإسرائيلي ضد أهداف تابعة لإيران ولحزب الله وأهداف أخرى. الهدف المشترك الذي نتفق عليه والذي لا يزال بعيد المنال هو إخراج كل القوات الإيرانية من سوريا».
في حديث نتنياهو تكرار للمكرر، إن لجهة الاتفاق مع روسيا كما يقول، الهادف إلى إخراج الإيرانيين، أو تنسيق الأنشطة العسكرية معها منعاً للاحتكاك البيني. وربما من ناحية عملية هذا تكرار مواقف وأهداف تقال على لسانه منذ ثلاث سنوات وأكثر، علماً بأنها تشير إلى نقيضها بتظهير فشل استراتيجيته ضد محور المقاومة، وإن جاء في سياق الإصرار عليها، وتحديداً ما يرتبط بإخراج طهران من الساحة السورية. في المقابل، تأتي الزيارة في سياقها واستهدافها الأول لتكون مرتبطة بجدول أعمال نتنياهو الخاص، وهو الانتخابات العامة، وخاصة أنها لا تضيف أي فائدة على المصلحة الأمنية الإسرائيلية كما يحاول التسويق داخلياً.

محاولاته وأنشطته الانتخابية ربما تحدث تغييرات محدودة في النتيجة


الزيارة تأتي استكمالاً لمحاولة نتنياهو تظهير اقتداره لدى الناخب الإسرائيلي، بما يشمل حاجة إسرائيل إليه لتعزيز أمنها وسياستها الخارجية، بسبب علاقاته الخاصة مع زعماء الدول الوازنة حول العالم، مع بثّ انطباعات أن هذا الدور محصور فيه دون أن ينسحب على منافسيه. من هذه الزاوية، تصطف زيارة سوتشي إلى جانب فعاليات انتخابية أخرى عمد إليها في الأسابيع الأخيرة، ومن بينها زيارة بريطانيا وصوره إلى جانب رئيس وزرائها، بوريس جونسون، وزيارته لأوكرانيا رغم نزاعها مع روسيا، وكذلك محاولاته أن يلتقي عدداً من زعماء الدول العربية، ووعده بضم غور الأردن وشمال البحر الميت في حال فوزه بالانتخابات، وذلك بعد أكثر من عشر سنوات متواصلة في الحكم، كان بإمكانه فعل أكثر مما وعد به خلالها، تقنياً على الأقل.
لكن هل الزيارة وصورته إلى جانب بوتين، التي يريد نتنياهو أن تتصدر عناوين الإعلام العبري، بإمكانها قلب الموازين وتغيير النتائج التي تؤكدها استطلاعات الرأي منذ إقرار التوجه إلى الانتخابات للمرة الثانية؟ توقعات الخبراء ونتائج الاستطلاعات تؤكد أن محاولات نتنياهو وأنشطته الانتخابية من شأنها التسبب في تغييرات محدودة لا تزيح كثيراً التعادل النسبي بينه وبين حزب «أزرق أبيض»، برئاسة بيني غانتس، كما لن تتسبب في تغيير الميزان الكلي في كتلتي اليمين والوسط، وقصورهما عن تشكيل الحكومة المقبلة منفردتين. مع ذلك، على رئيس الحكومة أن يفعل ما عليه، وخاصة أن خسارة الانتخابات لا تعني خسارة منصبه فقط، بل ارتفاع احتمالية دخوله السجن على خلفية ملفات فساد ورشى. استناداً إلى ذلك، نتنياهو على استعداد لفعل أي شيء، حتى إن كانت النتيجة المتوقعة مجرد مقعد كنيست واحد أو اثنين، وهو كسب انتخابي ليس على حساب كتلة الوسط، بإيجاد فارق بينه و«أزرق أبيض»، بل أيضاً على حساب الأحزاب اليمينية المتموضعة إلى جانبه. فالصوت الواحد، الزائد أو الناقص، من شأنه التأثير في النتيجة، كما حدث في الانتخابات الماضية.
لكن واحدة من مميزات هذه الانتخابات هي امتناع رأس الهرم السياسي في إسرائيل عن استخدام «الجبروت» العسكري لتعزيز موقعه الانتخابي وزيادة فرص فوزه، رغم الظرف والدافع الأكثر من متاح له. كان ذلك في الماضي، حين كان رأس السلطة السياسية يعجل مواعيد تنفيذ خيارات عسكرية في ساحة من ساحات المواجهة مع المقاومة، على أمل التأثير في الانتخابات والفوز بها. في هذه الانتخابات، لا يوجد خيار «حربجي» بلا أثمان و/ أو يمكن الوثوق بإمكان تحقيق النتيجة عبره والخروج بصورة الانتصار المطلوبة انتخابياً. إذ لا خيارات وشيكة موضوعة على طاولة القرار بلا أثمان باهظة يمكن لنتنياهو أن يستقدم موعد تنفيذها، سواء تجاه الشمال حيث المخاطرة هائلة، أو تجاه قطاع غزة، وإن مع فارق الإمكانات والقدرة على الإيذاء.