عام 1987، قام مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام الخميني، بكبح جماح قائد الحرس الثوري في حينه محسن رضائي، عندما قرّر الأخير مهاجمة قافلة بحرية ترفع العلم الأميركي، وأمره بأن يدير عملية زرع ألغام، وأن يتفادى الصدام المباشر مع الولايات المتحدة. لكن هذا التوجيه الأعلى بقي ابناً لبيئته وظروفه، فتطورات الأحداث خلال الأشهر الماضية أظهرت أن طهران غير معنية بتفادي الصدام مع واشنطن، فضلاً عن أن بحرية إيران اليوم لا تشبه بحال ما كانت عليه في الثمانينيات.

على رغم انقشاع لهيب الصيف عن مياه منطقة الخليج وسمائها، فإن حرارة الأحداث والتطورات التي شهدها هذا المسطّح المائي على مدار أيام الصيف الماضي لم تفتر بدخول فصل الخريف بأمطاره وعواصفه إلى أجواء المنطقة التي لا تزال تُعدّ أكثر بؤر الاشتباك الأميركي - الإيراني سخونة.
لا شك في أن احتواء هذه المنطقة على مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره 40 % من إمدادات النفط العالمية، هو ما جعلها محطة دائمة للتوتر بين واشنطن وطهران، حيث يسعى الطرفان دوماً إلى استغلال أهميتها الاستراتيجية من أجل الضغط على الطرف الآخر لدفعه إلى التنازل أو التراجع عن إجراءاته ومخططاته، وقد بدا هذا الأمر جلياً عندما هدّدت إيران، العام الماضي، بوقف تصدير النفط إذا لم تستطع أن تُصدّر نفطها.
رسالة التهديد الإيرانية لم تبق في إطار التلويح الكلامي، إذ قامت القوة البحرية للحرس الثوري في تموز/ يوليو الماضي باحتجاز ناقلة نفط بريطانية، بعدما أوقفت سلطات جبل طارق بضغط بريطاني ناقلة نفط إيرانية كانت تتوجه عبر مضيق جبل طارق إلى البحر المتوسط. واستكملت طهران هذه الرسالة يوم أمس بعرض عسكري في ميناء بندر عباس المطلّ على المياه الخليجية. عرضٌ كان جزءاً من سلسلة عروض أقامتها القوات المسلحة الإيرانية في أغلب المحافظات الإيرانية، بمناسبة مرور 39 عاماً على انطلاق شرارة الحرب الإيرانية - العراقية. القوة البحرية استعرضت بالمناسبة 200 قطعة بحرية، ما بين زوارق سريعة وغواصات بحرية، فضلاً عن المدمرات والبوارج، كما نفذت أثناء العرض تمريناً حاكت فيه حادثة السيطرة على ناقلة النفط البريطانية.
تسليط الضوء على العرض العسكري لقوات إيران البحرية يفتح الباب على التذكير بأن ساحة الاشتباك الإيراني - العراقي خلال حرب السنوات الثماني لم تقتصر على أراضي البلدين وأجوائهما، بل امتدت لتشمل مياه الخليج، ما أدخل القوة البحرية الإيرانية في صلب هذه الحرب، الأمر الذي قاد في ما بعد إلى دخول البحرية الأميركية على خط المواجهة من أجل حماية النفط الخليجي الذي يمرّ إلى العالم عبر مضيق هرمز.
مستوى الأداء الإيراني في تلك المواجهة لم يكن بطبيعة الحال متكافئاً مع أداء البحرية الأميركية، حيث استطاعت الأخيرة أن تُوجّه ضربات موجعة للبحرية الإيرانية، وهذا أدى بدوره إلى إيلاء طهران أهمية قصوى لبناء وتعزيز القوة البحرية للبلاد، من خلال إنشاء قواعد بحرية على طول ساحلها على الخليج، وبحر عمان، وفي الجزر الإيرانية، كما استمرت في تدعيم أسطولها البحري وتحديث أسلحته، ورفع المستوى القتالي لديه عبر سلسلة طويلة من المناورات البحرية.
تمتلك إيران إطلالتين بحريتين، الأولى جنوباً على مياه الخليج وبحر عمان بطول 1660 كلم، والثانية على بحر قزوين بطول 800 كلم. كما تنقسم القوات البحرية، حالها حال بقية القوات المسلحة الإيرانية، إلى تشكيلين يتبع أحدهما للحرس الثوري، والآخر الجيش الإيراني. تعمل بحرية «الحرس» منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2008 بشكل أساسي في مياه الخليج، بعدما اتخذ المرشد الإيراني، علي خامنئي، قراراً يقضي بتحويل مسؤولية أمن الخليج من قوات البحرية التابعة للجيش إلى قوات الحرس الثوري، فيما تمتد مهمة بحرية الجيش من دوريات السواحل إلى الأساطيل البحرية في المياه الدولية التي تشمل خليج عُمان ومياه بحر قزوين. كما أن هذا التنظيم البحري هو المسؤول عن الأنشطة البحرية الإيرانية في المياه الدولية والتي تصل إلى المحيط الهادي والبحر المتوسط.

تعتبر الزوارق الصغيرة التي تفوق سرعتها 100 كلم/ساعة وسيلة فعالة للتعامل مع القطع الكبيرة


ينضوي تحت لواء القوة البحرية 18 ألف عسكري، موزّعين على 398 قطعة بحرية تمتلكها إيران، بحسب موقع «غلوبل فاير-باور» الأميركي، الذي يُشير إلى أن الأسطول البحري الإيراني يحتلّ المرتبة الرابعة بين أضخم الأساطيل الحربية في العالم. كذلك، يبيّن الموقع في آخر إحصاءاته أن طهران تمتلك 34 غواصة حربية، و6 فرقاطات بحرية، و3 كاسحات ألغام، و3 طرادات، فضلاً عن سفن الدوريات التي يبلغ عددها 88 سفينة.
كما استطاعت إيران عام 2007 الدخول على خط الإنتاج الحربي الخاص بالمعدات البحرية. ففي أواخر هذا العام، أعلنت القوة البحرية التابعة للجيش الإيراني عن تصنيع بارجة حربية أطلقت عليها اسم «موج». كذلك، دشنت عام 2010 مدمرة حربية من صنع محلي، أطلقت عليها اسم «جمران». وتوالت في ما بعد إعلانات طهران عن تمكّنها من تصنيع بوارج ومدمرات حربية، برزت من ضمنها أخيراً مدمرة «سهند»، التي وصفتها صحيفة «كيهان» الأصولية بـ«الأحدث في منطقة غرب آسيا». وأعلن قائد القوة البحرية للجيش آنذاك، تورج حسني مقدم، في معرض الإعلان عن اكتمال تصنيع «سهند» أواخر العام الماضي، أنها ستتوجه إلى أميركا الجنوبية لتخوض أولى جولاتها في المياه الحرّة بعد التصنيع.
عتاد القوة البحرية يشمل كذلك قطعاً برمائية بأحجام مختلفة، منها ما هو صناعة محلية ومنها ما هو مستورد، كما أنه يشمل سرباً بحرياً مكوّناً من 19 طائرة و30 مروحية. إلى جانب ذلك، تمتلك البحرية الإيرانية منظومة دفاع ساحلي، يعمل فيها بحسب موقع «سبوتنيك» الروسي لواءان مسلحان بأربع منصات إطلاق (من 100 إلى 300 صاروخ) من نوع «بي كي إر إن واي-2 / سيلكورم»، ولواءان آخران مسلحان بمنصات إطلاق من نوع «بي أو بي كي إر إس-802 (من 60 إلى 100 صاروخ).
على الرغم من امتلاك إيران، بإمكاناتها الذاتية، هذا الأسطول البحري المتقدم، فإن تجربة القتال الإيراني - الأميركي على سطح المياه الخليجية خلال الحرب العراقية - الإيرانية دفعت القوة البحرية الإيرانية إلى الاعتماد بشكل رئيسي على أسلوب القتال غير المناظر، الأمر الذي أنتج عقيدة بحرية إيرانية تستند إلى تكتيك حرب العصابات. وهذا بدوره أدى إلى استثمار طهران في الزوارق السريعة المحمّلة بالصواريخ والألغام البحرية. وفي هذا المجال، يقول أنتوني كوردزمان، في كتابه «إيران والخليج.. البحث عن الاستقرار»، إن «سلاح بحرية الحرس الثوري الإيراني يملك إحدى أضخم قدرات الحرب غير التقليدية بين القوات البحرية في العالم».
تعتبر الزوارق الصغيرة التي تفوق سرعتها 100 كلم/ ساعة وسيلة فعالة للتعامل مع القطع البحرية الكبيرة، إذ قدّرت تقارير غربية أن عدد هذا النوع من القوارب لدى إيران بلغ عام 2010 ثلاثة آلاف قارب. كما أشار تقرير للاستخبارات الأميركية منشور عام 2009 إلى أن الحرس الثوري يمتلك سفناً صغيرة وسريعة لديها مرونة ميدانية كبيرة في الحرب غير التقليدية. وكشف التقرير عن قيام «الحرس» في أواخر التسعينيات بشراء زوارق سريعة من شركة «فابيو بوتزي» الإيطالية للزوارق السريعة، وأنه تعلم كيف ينتج نماذج مماثلة بنفسه. وأضاف التقرير أن السرعة القصوى لتلك الزوارق يمكن أن تصل إلى 60 أو 70 عقدة، الأمر الذي من شأنه أن يجعل زوارق الحرس الثوري أسرع الزوارق البحرية في المياه الخليجية. وتابع التقرير: «برنامج التطوير الإيراني قوَّى من القدرات البحرية، ما أدى الى زيادة ما تمتلكه البلاد من زوارق صغيرة وألغام وصواريخ كروز مضادة للسفن، وطوربيدات ومعدات الدفاع الجوي».
برنامج التطوير الخاص بالألغام البحرية يعود تاريخه إلى أواخر عام 1984، عندما شكّل قائد الحرس الثوري آنذاك، محسن رضائي، مجموعة مكوّنة من ثمانية ضباط لتطوير صناعة الألغام البحرية، حيث درس هذا الفريق هندسة بعض ألغام كوريا الشمالية، بهدف إنتاج نسخة إيرانية منها. كما أن ليبيا قامت في حينه بتقديم نموذج سوفياتي حديث من الألغام البحرية، استخدمتها خلية التصنيع الإيرانية في إجراء المقارنات. استمرت مجموعة التصنيع في عملها واختباراتها إلى أن تغلبت منتصف عام 1985 على معظم المشاكل التي واجهتها، وبدأت إيران إنتاج الألغام البحرية. وكان أول تصميم إيراني للألغام البحرية من نوع «صدف 1» و«صدف2 (أم 8)». واستمر برنامج التصنيع الإيراني للألغام البحرية حتى استطاعت إيران أن تمتلك تشكيلة واسعة من هذا السلاح، بينها الألغام المربوطة ذات التأثير السفلي المدمجة مغناطيسياً، والألغام الصوتية التي تنفجر بالضغط، والألغام المتحركة، والألغام التي يمكن التحكم فيها عن بعد، فضلاً عن الألغام الممغنطة التي تُلصق بالسفن وتستخدم بواسطة قوات العملية الخاصة. وقد اتهم الجيش الأميركي الحرس الثوري باستخدام هذه الألغام في الهجوم على ناقلات النفط اليابانية في حزيران/ يونيو الماضي، عندما نشر شريط فيديو يُظهر مجموعة من الأشخاص يُقلهم زورق سريع وهم ينزعون لغماً ملتصقاً بهيكل إحدى الناقلتين.
الجدير ذكره أن أخطر الألغام في ترسانة إيران البحرية هي ألغام «إي إم 52» الصينية الصنع، المخصصة لإغراق القطع الكبيرة، والتي حصلت عليها في منتصف تسعينيات القرن الماضي. خطورة هذا اللغم تكمن، بحسب كتاب كوردزمان، في في أنه يُنصب في قاع البحر، بحيث يستشعر السفينة المارّة فوقه، فيستخدم صاروخاً لضربها، كما يمكن توقيته بحيث لا ينطلق إلا بعد أن يستشعر عدداً معيناً من السفن. وطبقاً للكتاب، فإن بعض التقارير تدّعي أن «إي إم 52» يستطيع العمل على عمق 110 أمتار، بينما لا يتجاوز عمق مضيق هرمز 80 متراً. كما أن إغلاق المضيق بشكل كامل، وفقاً للتقديرات الاستخباراتية الأميركية، يحتاج إلى ما يقارب 300 لغم فقط.