ربما بدأ الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، يدرك اليوم ما لم يكن يُرى واضحاً لدى إقدامه، قبل سنتين ونيف، على تعديل النظام السياسي من برلماني إلى رئاسي. ففي النظام البرلماني، حيث السلطة التنفيذية والصلاحيات لدى الحكومة ورئيسها، كان يمكن لأي حزب يحتل المرتبة الأولى في الانتخابات، ولو بنسبة 20%، أن يحظى بفرصة تأليف الحكومة بالتحالف مع أحزاب أخرى. أما في النظام الرئاسي الجديد، فلم يعد للبرلمان أهمية حاسمة في معظم القضايا الرئيسة، كما لم يعد مهمّاً تحصيل الحزب 50 أو 20%. مركز الثقل انتقل إلى رئاسة الجمهورية، حيث يتطلب انتخاب رئيس جديد للجمهورية حصوله على نصف عدد المقترعين زائداً كسراً في المئة. وهذا يعني أن رئيس الجمهورية يُتطلّب منه بذل جهود مضاعفة لكي يكسب كتلة ناخبة خارج قواعد حزبه. وهو ما حصل مع إردوغان، بصفته زعيماً لحزب «العدالة والتنمية»، عندما دخل انتخابات الرئاسة في عام 2018 متحالفاً مع حزب «الحركة القومية» بزعامة دولت باهتشلي. وقد نال إردوغان حينها 52.38%.

وفي الاستفتاء على التعديلات الدستورية قبل ذلك بسنة، نالت التعديلات 51.41% وعارضها 48.59%. وهذا عنى أن ما كان يحققه حزب «العدالة والتنمية» من أفضلية مريحة ومضمونة، وبفارق 20% وأكثر عن أقرب أحزاب المعارضة إليه، لتأليف حكومات وفق النظام القديم، لم يعد قائماً، حيث إن الفارق في التصويت على أساس الـ 50% زائداً كسراً تقلّص كثيراً، وتقاربت النتائج إلى حدّ باتت معه احتمالات المفاجآت وانقلاب موازين القوى واردة جداً لدى أقل تغيير في المزاج الشعبي ولدى نسبة لا تتعدى الواحد أو الاثنين في المئة. وجاءت الانتخابات البلدية في نهاية آذار/ مارس الماضي لتقدم مثالاً إضافياً على هذه الاحتمالات. فالانتخابات لرئاسة البلديات جرت كما العادة وفقاً لنظام النصف زائداً واحداً. وعلى هذا الأساس، كانت الهزيمة الثقيلة جداً لحزب «العدالة والتنمية» في معظم المدن الكبرى الأساسية مثل إسطنبول وأنقرة وأضنة وإزمير وأنطاليا ومرسين وديار بكر وماردين وغيرها. ووصل الفارق في انتخابات إسطنبول إلى 13 ألف صوت لمصلحة مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو، أي 0.2% فقط، إذ نال إمام أوغلو 48.8 مقابل 48.6% نالها بن علي يلدريم. ولكن الفارق ازداد في انتخابات الإعادة في 24 حزيران ليصل إلى 800 ألف صوت وينال إمام أوغلو 53% من الأصوات. في ظلّ هذه النتائج، دُقّ ناقوس الخطر على الرئيس التركي نفسه، الذي بات يواجه مزاجاً شعبياً متبدّلاً في الفترة الأخيرة.
بطبيعة الحال، إن الفترة التي تفصل تركيا عن انتخابات الرئاسة المقبلة في عام 2023 لا تزال طويلة جداً، في بلد يشهد دينامية كبيرة وصراعات عميقة وتنوعاً سياسياً. مع هذا، فإن الكثير من القوى يتعاطى منذ الآن على قاعدة التحسب للمفاجآت، ومن ذلك إجراء انتخابات رئاسية مبكرة قبل موعدها قد تفرضها حسابات انتخابية لإردوغان أو ظروف سياسية واجتماعية ضاغطة، وخصوصاً في ظلّ الحراكات المكثفة التي تشهدها الساحة السياسية. ومنه أيضاً توقع تشكيل أحزاب جديدة تنبثق من رحم حزب «العدالة والتنمية» يقودها أحمد داود أوغلو وعبد الله غول وعلي باباجان.

يسعى إردوغان إلى تحشيد الأوراق ومحاولة حلّ المشكلات التي يتذمّر منها المواطنون


يراهن إردوغان على عامل الوقت، وتجاوز العوامل التي تجعل فئة من الناخبين تنتقل من تأييدها له إلى معارضته. ولذا، يسعى إلى تحشيد الأوراق ومحاولة حلّ المشكلات التي يتذمّر منها المواطنون. ومن هنا، نفهم عزفه على الوتر القومي عندما يهدد باجتياح منطقة شرقي الفرات وإبعاد «الخطر الكردي» من على حدود تركيا. كما أنه يضغط على الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لوقف تقدم الجيش السوري في إدلب. ففي شرقي الفرات، يهدف إردوغان، من بين أهداف أخرى، إلى إيجاد حلّ لمشكلة اللاجئين السوريين في تركيا التي تضغط بقوة عليه وهو الذي شجّعهم منذ البداية على النزوح حتى وصل عددهم اليوم إلى حوالى ثلاثة ملايين لاجئ. لكن هذه القضية باتت تشكل عبئاً كبيراً على الاقتصاد التركي وتخلق مشكلات اجتماعية حادة، بل بدأت تركيا بترحيل الكثير منهم قسراً إلى أماكن في سوريا. وإردوغان يعتقد بأن احتلال منطقة شرقي الفرات وإقامة «منطقة آمنة» سوف يساعد في حلّ المشكلة بإسكان أكثر من مليونَي لاجئ سوري هناك، فيخفف عن ظهره أحد عوامل تذمر الناخب التركي منه. أما في إدلب، فلا يريد إردوغان المزيد من المعاناة في الداخل التركي من خلال تدفق المزيد من اللاجئين السوريين، في حال مواصلة الجيش السوري تقدمه بعد خان شيخون، واستكماله تحرير باقي المناطق، وصولاً إلى الحدود التركية. كذلك، يسعى إردوغان إلى طرق كل الأبواب لتطبيع العلاقات مع واشنطن من أجل تخفيف الضغوط الاقتصادية التي تضرب العملة الوطنية والقدرة الشرائية للمواطن.
غير أن ما خرج قبل أيام على لسان القيادي والوزير السابق في حزب «العدالة والتنمية»، فاروق تشيليك، قد يكون معبّراً بكثافة عن المأزق الذي ربما يجد إردوغان لاحقاً نفسه فيه. فقد اقترح تشيليك خفض نسبة الفوز المطلوبة للمرشح لرئاسة الجمهورية في الدورة الأولى إلى 40% بدلاً من 50%، على أن تبقى نسبة الفوز في الدورة الثانية 50%، مبرراً ذلك بأن نسبة الـ 50% في الدورة الأولى «ترهق تركيا». لا يمكن لهذا الاقتراح أن يظهر ما لم يكن في الأساس هو فكرة إردوغان. لذا، أتت ردة فعل الأخير الأولية على اقتراح «جس النبض» متبنّية له، إذ قال: «إن مثل هذا الاقتراح هو من شأن المعارضة. وإذا جاء الاقتراح من المعارضة فإننا منفتحون على نقاشه». وقال: «إن مثل هذا الاقتراح يتطلب تعديلاً في الدستور، وهذا عمل البرلمان، ونحن كسلطة فقط نقوم بالأعمال التحضيرية ونجلبها إلى هنا». لكن رئيس البرلمان، مصطفى شينتوب، وهو من حزب «العدالة والتنمية»، رفض، في لعبة توزيع الأدوار مع إردوغان، اقتراح تشيليك بالقول إنه لا داعي له، ونظام الـ 50 زائداً واحداً هو الأصح، ومن لا يفوز في الدورة الأولى بـ 50% ينتقل إلى الدورة الثانية وهذا منطقي. فسّرت المعارضة الاقتراح بأنه دليل على تراجع قوة حزب «العدالة والتنمية» إلى حدود الـ 40% وربما أقل. ومن هنا، قال حزب «الشعب الجمهوري» إنه ليس في أجندته مثل ما دعا إليه تشيليك. أما «الحزب الجيد» فقد خاطب، في تغريدة، إردوغان بأنه «حتى الـ 40% لن تكفيك»، ساخراً منه باقتراح إضافة شروط جديدة للمرشح للرئاسة مثل أن تكون قامته أطول من 185 سنتم، وأن يكون ذكراً وله شارب، وأن يجعل من صهره وزيراً! والمفارقة أن الرفض جاء أيضاً من جانب رئيس حزب صغير حليف لإردوغان، هو النائب عن أنقرة مصطفى دستيجي، رئيس حزب «الاتحاد الكبير»، الذي رأى أن «الاقتراح يفقد النظام الانتخابي خصوصيته. وغداً نقترح أن تنخفض نسبة الفوز إلى 30% وهلمّ جراً. هذا أمر ليس جدياً».