لا تقتصر مفاعيل الانسحاب الأميركي من شمال سوريا، في وعي المؤسسة الإسرائيلية وحساباتها، على ساحة جغرافية أو قضية من دون أخرى. رسائل هذا القرار وسياقاته تؤشر إلى أنه جزء من مسار له ما قبله وما بعده، تخشى تل أبيب من التداعيات التي ستترتّب عليه، والتي ستطاول أكثر من عنوان متصل بالأمن القومي الإسرائيلي. أحد أهم تلك العناوين هو النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، والذي سيؤدي الانكفاء الأميركي المتواصل عن المنطقة إلى تناميه. صحيح أن كلّاً من روسيا وإسرائيل تحرصان على أفضل العلاقات بينهما على المستويات كافة، لكن هذا لا يعني أن موسكو يمكن أن تشكل بديلاً من واشنطن لتل أبيب، وهو أمر واضح لجهة علاقته بمكانة روسيا الدولية، وتوجهاتها، ومصالحها المتداخلة مع دول إقليمية معادية لإسرائيل. وفي هذا الإطار، يقول السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن، مايكل أورين، إن «الولايات المتحدة حليفة، لكن روسيا ليست كذلك. ومن غير المفيد أن ندّعي بأن روسيا ستكون حليفة، لكن لا يجب أن نجعلها عدواً أيضاً. يمكننا التوصل إلى تسوية مؤقتة معها».
ترى تل أبيب أن المنطقة تمرّ بمنعطف استراتيجي تاريخي يخالف ما كانت هي تسعى إليه


تتعامل تل أبيب مع النفوذ الروسي على أنه سيصبح أكثر رسوخاً وتأثيراً، في ظلّ خشيتها بل وتوقعها أن تصبح الولايات المتحدة أكثر إعراضاً عن قضايا المنطقة. وبحسب موقع «تايمز أوف إسرائيل»، يشعر العديد من «المسؤولين في القدس بقلق عميق إزاء التخلّي عنهم من قِبَل حليفهم القوي. والنتيجة المباشرة التي تحضر أمامهم هي أن الانسحاب الأميركي يهدد بتشجيع أعداء إسرائيل: إيران وحلفاؤها في لبنان وسوريا وغزة وأماكن أخرى». ويعتقد المسؤولون الإسرائيليون أن الانسحاب الأميركي سيعمّق حاجة تل أبيب إلى التنسيق المسبق مع موسكو، كونه يسلبها أهم ورقة توازن في مقابل الحضور العسكري الروسي المباشر، وهو ما سيؤدي إلى إضعاف موقعها، خصوصاً على الساحة السورية. بتعبير آخر، سيضيق هامش إسرائيل في مواجهة روسيا، خصوصاً وأن للأخيرة علاقات ومصالح متداخلة مع العديد من الأطراف الإقليمية، وهو ما يفرض - بالضرورة - ضوابط على التقاطع الروسي - الإسرائيلي.
على الساحة السورية، يُضعف الانكفاء الأميركي تأثير واشنطن وتل أبيب معاً على عملية إعادة بناء الدولة السورية، فيما يمنح موسكو، ومعها أيضاً حلفاء دمشق في محور المقاومة، هامشاً واسعاً من الحركة، وهو من أكثر ما تتخوّف منه تل أبيب. وفي هذا السياق، يلفت «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن «العديد من المحللين يشعرون بالقلق الشديد من احتمال استخدام روسيا صواريخ أرض جو ضد الطائرات الإسرائيلية التي تهاجم أهدافاً إيرانية في سوريا». لكن، مع ذلك، تسمح العلاقات الثنائية بين تل أبيب وموسكو للأولى بتقليص الأضرار وضبط أيّ مسار تصعيدي قد تتدهور إليه المنطقة، انطلاقاً من أن مصالح الأخيرة تقتضي الأمر نفسه. ومن هنا، يرى رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، اللواء عاموس يادلين، أن «روسيا لا تريد بالضرورة أن تكون وسيطاً نزيهاً بين الأطراف المتحاربة في الشرق الأوسط، بقدر ما تسعى إلى تطوير علاقات جيدة مع الجميع». وفي اتجاه مماثل، كان رئيس الاستخبارات العسكرية، اللواء تامير هايمن، قد أجمل، قبل عدة أشهر، القراءة الإسرائيلية للدور الروسي على الساحة السورية بالقول إن موسكو تشكل «عاملاً مؤثراً في عملية إعادة بناء الجيش السوري»، وإنها الطرف المسيطر الذي يملك التأثير على «حرية عمل إسرائيل في سوريا». أما الأخطر بالنسبة إلى إسرائيل، ووفقاً لهايمن، فهو أن «الروس يُحدِثون احتكاكات شبه مبادَر إليها (من قِبَلهم)، ويسعون إلى أن يكونوا على علاقة بحلها بواسطة تواجدهم في المنطقة».
في النتيجة، ترى تل أبيب أن المنطقة تمرّ بمنعطف استراتيجي تاريخي، يخالف ما كانت هي تسعى إليه وتدفع في اتجاهه. وهي حقيقة لا يُخفيها القادة الإسرائيليون عن جمهورهم، لسبب بسيط وهو أنهم مضطرون لأن يكونوا كذلك، بلحاظ أن من بين مقتضيات مواجهة التحدّي المستجدّ المزيد من النفقات الأمنية على حساب المجالات الاجتماعية والاقتصادية.