استراتيجية استعادة التفوق في الميدان العسكري باتت أولوية السياسة الخارجية والدفاعية للولايات المتحدة. تنطلق هذه الاستراتيجية من اقتناع راسخ لدى القيادة العسكرية الأميركية بأن هذا التفوق أصبح مُهدّداً بعد أكثر من عقد من التركيز على عمليات مكافحة التمرد والحروب الصغيرة التي لا نهاية لها، والتي تم بسببها الحدّ من الاستثمارات في المجالات التي ضمنت الريادة الأميركية في مواجهة أبرز الخصوم. ويرى مايكل كلير، أستاذ الدراسات حول السلام والأمن العالمي في «الهامبشير كولدج»، أن «استراتيجية البنتاغون للحفاظ على التفوق الدائم على النطاق العالمي ستدفع نحو سباق جديد للتسلح في ميادين الحرب النووية والتقليدية وغير التقليدية والسيبرانية وفي الفضاء، مهما كانت الأكلاف التي ستترتب على دافع الضرائب الأميركي وبالنسبة إلى استقلالية الشركات الأميركية». ويعرب كورانتان بروستلاين، مدير مركز دراسات الأمن في «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية»، بدوره، عن اعتقاده بأن ما يجدد سباق التسلح ليس قرار «البنتاغون» استعادة التفوق، بل الزيادة المستمرة في الإنفاق العسكري على الصعيد الدولي، وتحول موازين القوى لغير مصلحة الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يثير مخاوفها. ويعتبر الخبير الفرنسي أن «السعي للحفاظ على التفوق كان دوماً هدفاً مركزياً للاستراتيجية الأميركية. عدم استخدام هذا المفهوم في الماضي يعني ببساطة أنه لم يعتبر تحدّياً في واشنطن: التفوق كان قائماً في مقابل أيّ خصم». أما إصرار «البنتاغون» على استعادته للتعويض عما يعتبر عقداً ضائعاً، فإنه يأتي ترجمة للتوجهات الرئيسة في الفكر الاستراتيجي الأميركي. «هو متمسك بالتفوق العملياتي كسبيل للانتصار. في الواقع، هذا التفوق لا يكفل أبداً الانتصار الذي يرتبط دوماً بعوامل أكثر عمقاً، سياسية واستراتيجية ومعنوية» وفقاً له.
استعادة التفوّق تحكم عمليات تطوير منظومات السلاح التقليديّة


استعادة التفوق تحكم عمليات تطوير منظومات السلاح التقليدية، وتفترض أيضاً تحديثاً للأسلحة النووية، ما يجبر الولايات المتحدة على إنتاج أنواع جديدة منها. ويذكر بروستلاين أنه على الرغم من تحفّظ إدارة ترامب على الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة منذ عقود للحدّ من اعتمادها على السلاح النووي، فإنها لم تعمد الى رفع سقف الطموحات في مشروعها لتجديد القوة النووية بعد التقييم الذي أجري لواقعها خلال عامَي 2017 - 2018. وهو يعتقد أن «التغييرات الوحيدة التي أدخلت على مشروع تحديث منظومات السلاح الذي بدأ العمل عليه منذ أيام إدارة أوباما كانت هامشية وقد لا يتم تطبيقها عملياً. من أجل استعادة التفوق على الخصوم، لا تراهن الولايات المتحدة على الأسلحة النووية، بل على تلك غير النووية: القصف التقليدي البعيد الأمد والمسيّرات والحرب السيبرانية والإلكترونية وأسلحتهما، وأنظمة تحكم وقيادة أكثر رشاقة ومرونة وسرعة». غير أن الإطار الفكري الذي يحكم المقاربة الأميركية حيال معاهدات الحدّ من التسلح، كالمعاهدة حول الأسلحة النووية المتوسطة المدى التي وقّعت سنة 1987 أو «معاهدة ستارت» الجديدة عام 2010، قد تُعدَّل نتيجة للمركزية المستجدة لمفهوم المنافسة الاستراتيجية بين القوى الكبرى. ترامب يتخلى تدريجياً عن هذه المعاهدات. هذا الموقف ليس مستغرباً في نظر بروستلاين، الذي يجزم بأن «انتقال مركز الصراع من أجل الريادة نحو آسيا، وتمحوره حول العلاقات الصينية ــــ الأميركية سيفضي إلى اعتبار المعاهدات الثنائية مع روسيا، والتي لم تحظَ سوى بدعم ضعيف في الكونغرس، غير ذات معنى بالنسبة إلى الولايات المتحدة. من جهة أخرى، فإن الغموض الذي تعتمده الصين حيال قدراتها النووية يضعف موقف الذين يدافعون عن أهمية المعاهدات المذكورة».
وقد خصصت الصين، خلال الأعوام الماضية، ميزانية تتجاوز الـ 200 مليار دولار سنوياً للأبحاث في حقل التكنولوجيا المتقدمة، كعلم الآليات المبرمجة والذكاء الاصطناعي، بينما اكتفت وزارة الدفاع الأميركية، في ميزانيتها لسنة 2020، بالمطالبة بـ 104 مليارات دولار تُخصَّص للحقل إياه. المواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وخصومها تتضمن أبعاداً مقلقة برأي كورانتان بروستلاين. ستكون لهذه المواجهة تداعيات ضارة على استقرار النظام الدولي، ما سيطلق العنان لطموحات القوى الإقليمية. «تركُّز الاهتمام الأميركي على الصراع الجيوسياسي الطويل الأمد مع الصين سيفتح نوافذ فرص أمام العديد من اللاعبين الدولتيين وغير الدولتيين الذين يريدون إعادة النظر في الواقع القائم في أكثر من منطقة من العالم. إضافة إلى ذلك، فإن هذا التنافس الذي يشمل مجالات تكنولوجية كالذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية قد تكون له تأثيرات خطرة على ديناميات الأزمات ويؤدي إلى احتدامها، ما يجعلها أقلّ قابلية للاستشراف وأكثر عنفاً». وعلى الرغم من ارتفاع حدّة هذه المواجهة الاستراتيجية، فإن الوجهة التي ستتطور نحوها في المستقبل غير محسومة حتى الآن بحسب الخبير الفرنسي: «الخصومات ذات الطبيعة الجيوسياسية ستستمر، ولكن طريقة إدارتها من قِبَل الولايات المتحدة، ودور حلفائها والمؤسسات الدولية خلالها، ومستوى احتدامها، ترتبط جميعاً بخيارات ترامب ومن سيليه».