كلّ المؤشرات تدلّ على أن مجلس النواب الأميركي، حيث الغلبة للديموقراطيين، يعمل، من دون كلل، على ضرب «عهد» دونالد ترامب. يوم أمس، مرّر المجلس تشريعين منفصلين يستهدفان تركيا، مُوجِّهاً بذلك صفعةً مزدوجة: أولاهما لأنقرة «انتقاماً» للأكراد على خلفية العملية العسكرية التي قادتها ضدّهم في شمال شرق سوريا؛ وثانيهما للرئيس الأميركي الذي أعطى ضوءاً أخضر لتركيا لمباشرة هجومها، بقراره سحب قواته من سوريا. من هنا، جاءت خطوة «النواب» الأميركي بالاعتراف، رسمياً، بالإبادة الجماعية للأرمن. خطوةٌ وإن كانت غير مسبوقة، فهي لا تعدو كونها رمزية، بينما يبقى الثابت أنها تأتي في توقيت سياسي حساس، وسط توتر العلاقات بين البلدين.

أبصر مشروع القانون النور في شهر نيسان/ أبريل الماضي، حين تقدّم به رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، النائب الديموقراطي عن ولاية كاليفورنيا آدم شيف ــــ الذي يقود أيضاً إجراءات عزل ترامب ــــ، وأقرّه المجلس، يوم أمس، بأكثرية 405 أصوات، في مقابل معارضة 11 نائباً. القرار الذي يؤكد اعتراف الولايات المتحدة بـ«الإبادة الأرمنية»، يعدّ سابقة في الكونغرس، حيث تعثّرت، على مدى عقود، تشريعات مماثلة؛ أولاً، بسبب مخاوف من أن تُعقِّد العلاقاتِ بين حليفَي «الأطلسي»، إلى جانب الضغوط الشديدة التي مارستها حكومات أنقرة على واشنطن، ثانياً. ويُنتظر عرض القانون للتصويت عليه من قِبَل مجلس الشيوخ خلال الفترة المقبلة، وحالَ الموافقة عليه يُصبح نافذاً. شيف، الذي يسعى منذ 19 عاماً إلى إمرار قانون مماثل، حشد الدعم لتشريعه في خطاب «مشحون بالعواطف»، قال فيه: «عندما نرى صور الأُسر الكردية التي استبدّ بها الرعب في شمال سوريا وهي تقوم بتحميل متعلّقاتها في سيارات أو عربات تجرّها الدواب، وتفرّ من ديارها إلى أيّ مكان بعيد عن القنابل التركية والميليشيات المغيرة، فكيف يمكننا القول إن جرائم ارتُكبت قبل قرن من الزمن باتت من الماضي؟». على المنوال ذاته، جاء كلام رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، التي أشارت إلى حقيقة «الجريمة الوحشية» التي تم إنكارها في معظم الأوقات، بقولها: «اليوم، دعونا نذكر بوضوح الحقائق في هذا المجلس، ليتمّ حفرها إلى الأبد في سجل الكونغرس: الهمجية التي ارتُكبت بحق الشعب الأرمني كانت إبادة جماعية». وأضافت إنه يشرّفها الانضمام إلى زملائها في «إحياء ذكرى واحدة من أكبر الفظائع في القرن العشرين: القتل المنهجي لأكثر من مليون ونصف مليون أرمني من رجال ونساء وأطفال على أيدي الإمبراطورية العثمانية». من جهته، أشاد رئيس وزراء أرمينيا، نيكول باشينيان، بـ«التصويت التاريخي» في مجلس النواب الأميركي، معتبراً أن هذا القرار «خطوة جريئة نحو خدمة الحقيقة والعدالة التاريخية، تريح الملايين من أحفاد الناجين من الإبادة الجماعية للأرمن».

تبنّى المجلس قانوناً يطالب بفرض عقوبات على تركيا بسبب عمليتها العسكرية ضد الأكراد


بعد قرارهم هذا، وجّه المشرّعون الأميركيون صفعة ثانية لأنقرة، من خلال تبنّي قانون يطالب بفرض عقوبات على تركيا على خلفية عمليتها العسكرية في شمال شرق سوريا. وتبنّى مجلس النواب قراراً تقدَّم به نواب ديموقراطيون وجمهوريون ينصّ على فرض عقوبات على كبار المسؤولين الأتراك الضالعين في قرار الهجوم، وعلى مصرف تركي تربطه علاقات بالرئيس رجب طيب إردوغان. وبحسب نصّ القرار، فإن إدارة ترامب مطالَبة بمعاقبة تركيا لشرائها منظومة الدفاع الصاروخية الروسية «إس 400».
وسارعت أنقرة إلى التنديد بكلا التشريعين، إذ دانت وزارة الخارجية التركية بشدة قرار «النواب» الأميركي بالموافقة على العقوبات، كونه «لا يتماشى مع روح العلاقات» بين حليفَي «الأطلسي»، فضلاً عن أنه يتعارض مع اتفاق وقف إطلاق النار في شمال شرق سوريا، والذي جرى التوصّل إليه مع إدارة ترامب في 17 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري. أما لجهة قرار الاعتراف بالإبادة، فرأت «الخارجية» أنه خطوة مرفوضة باعتباره «سياسياً ولا معنى له»، محذّرةً من أنه يمكن أن يضرّ بالعلاقات بين البلدين «في وقت حسّاس للغاية» للأمنين الدولي والإقليمي. وأعربت كذلك عن اعتقادها بأن «الأصدقاء الأميركيين لتركيا الداعمين لاستمرار التحالف والعلاقات الودية سيقومون بالمحاسبة على هذا الخطأ الفادح، وسيحاكم ضمير الشعب الأميركي المسؤولين» عن هذا القرار. الرئيس التركي لوّح، من جهته، باحتمال إلغاء زيارته المقرّرة لواشنطن في تشرين الثاني/ نوفمبر، قائلاً: «لم أتخذ قراراً بعد، هناك علامة استفهام». وفي كلمة متلفزة، انتقد القرار، معتبراً أن «لا قيمة له، ولا نعترف به»، فضلاً عن أنه يشكّل «أكبر إهانة» للشعب التركي. وقال إردوغان إن تصويت «النواب» الأميركي كان مسيّساً، ملمّحاً إلى أن البرلمان التركي سيطرح قراراً مضاداً. وفيما لم يحدّد ما سيشمله القرار، تطرّق إلى معاملة الأميركيين الأصليين، بقوله إن «البلد الذي يمتلئ تاريخه بوصمة الإبادة والعبودية، ليس له حقّ أن يقول أي شيء أو أن يعظ تركيا». ولفت وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو، بدوره، إلى أن «مجلس النواب الأميركي يحاول الانتقام بسبب الاتفاقيات التي وقّعناها مع واشنطن وموسكو» في شأن انسحاب المقاتلين الأكراد من سوريا.