رمزٌ يساري جديد في أميركا الجنوبية، أسقطته الولايات المتّحدة الأميركية والقوى اليمينية. الرئيس البوليفي إيفو موراليس، أعلن أمس الأحد استقالته من منصبه، بعد إعادة انتخابه في 20 تشرين الأول لدورةٍ رابعة. أسابيع من الاحتجاجات العنفية التي قادتها المعارضة اليمينية، حليفة إدارة واشنطن، مدعومةً من قوات الأمن والكنيسة البوليفية والطبقة المتوسطة الجديدة، أدّت إلى اتّخاذ موراليس هذا القرار. «أستقيل حتى لا يستمرّ (الرئيس البوليفي السابق، وخصم موراليس في الانتخابات الرئاسية الأخيرة) كارلوس ميسا، و(زعيم المعارضة اليمينية في منطقة سانتا كروز) لويس فرناندو كاماتشو، في اضطهاد الوزراء ورؤساء النقابات وعائلاتهم، وإيذاء التّجار والمهنيين والعمال المستقلّين»، كما كتب الرئيس المُستقيل على «تويتر». وكشف أيضاً أنّ «ضابط شرطة قال علناً إنّه تلقّى تعليمات بتنفيذ أمر اعتقال غير قانوني صدر بحقّي... بالطريقة ذاتها، هاجمت مجموعات عنيفة منزلي. الانقلابيون يُدمّرون دولة القانون». ما يحصل في بوليفيا، بالنسبة إلى موراليس، «انقلابٌ أعدّه الجناح اليميني بدعم دولي». واعتبر أنّ «المجتمع الدولي» والبوليفيين «الوطنيين» يرفضون الانقلاب، داعياً ميسا وكاماتشو إلى «تحمّل مسؤولية تهدئة البلاد وضمان الاستقرار السياسي والتعايش السلمي للشعب».

المناضل اليساري، تصفه الولايات المتّحدة بـ«الشيطان». هو من أبرز اليساريين المعادين للرأسمالية والإمبريالية الأميركية. محاولات عزله ليست جديدة، ولكنّها هذه المرة تُعتبر «الأعنف»، وقد اتُّخذت الانتخابات الرئاسية حجّة للإطاحة به. «معركتنا لم تنتهِ. الرأسمالية ليست حلّاً للبشرية»، قال موراليس أمس.
لماذا انطلقت الاحتجاجات؟
في 20 تشرين الأول، صدرت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في بوليفيا. وبحسب وكالة «أسوشيتد برس»، نال موراليس 47.07% مقابل 36.51% لكارلوس ميسا. تقدّم الرئيس البوليفي على المرشحين التسعة بـ10.56 نقطة، أي أكثر من نصف نقطة على العتبة التي يحتاج لها للفوز بالمنصب، وتجنّب الجولة الثانية. إلا أنّ النتيجة لم تُقنع المعارضة المحلية، ولا منظمة الدول الأميركية (أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية في نيسان 1948، واستخدمتها كأداة لمواجهة المدّ الشيوعي في الدول اللاتينية، ولتبرير تدخّل واشنطن بشؤون تلك البلدان)، فأعلنت الأخيرة أنّه «يجب إجراء جولة الإعادة، حتى لو تخطّى موراليس هامش الـ10 نقاط». كان ذلك دليلاً واضحاً على المُخطّط الذي يُحضّر لبوليفيا: انتخابات «ديمقراطية»، شرط أن تأتي بحلفاء الولايات المتّحدة الأميركية، وتُسقط سياسياً يسارياً جديداً في هذه القارة.
أصرّت المعارضة البوليفية على وجود «تزوير» في الانتخابات، مُستندةً إلى توقّف اللجنة الانتخابية عن إعلان نتائج الفرز السريع للأصوات. خرج أنصار المعارضة إلى الشارع، مُشعلين النار في مكاتب الجهاز الانتخابي، ومن يومها، لم تتوقف الاحتجاجات الشعبية، التي تسبّبت بسقوط قتلى وجرحى.
حاول موراليس امتصاص غضب الشارع، بالدعوة إلى انتظار المراجعة الدولية لنتائج الانتخابات، وإلى حوار مع الأحزاب المعارضة، مُبدياً استعداداً لإجراء انتخابات جديدة، تُشرف عليها هيئة انتخابية جديدة. على الرغم من أنّ هذا كان مطلب كارلوس ميسا، إلا أنّه رفض التجاوب مع موراليس.
لماذا قرّر موراليس الاستقالة؟
يوم السبت، أقدمت مجموعة من المتظاهرين على اقتحام مقرّ تلفزيون «بوليفيا» وإذاعة «باتريا نويفا»، مُجبرين الموظفين على المغادرة. تسلسل الأحداث، كان يُشير إلى شدّ الخناق أكثر فأكثر حول موراليس، الذي لم يكن بعد قد اتّخذ قراراً بالاستقالة... إلى أن انقلبت عليه السلطات العسكرية والأمنية. بدايةً صرّحت وحدات من الشرطة بانشقاقها وانضمامها إلى المتظاهرين، ثمّ أعلن الجيش البوليفي عدم دخوله في مواجهة مع المحتجين. هو تاريخ هذه البلاد الغني بالانقلابات، يُعيد نفسه. اتّخذت القوات المسلحة موقفاً سلبياً من موراليس، فبرز طلب قائد القوات المسلحة وليامز كاليمان، إلى الرئيس، «التنحي لاستعادة الاستقرار والسلام».
من سيتسلّم الرئاسة؟
ينصّ الدستور البوليفي على أنّه في حال استقالة رئيس الجمهورية، يتسلّم المقاليد رئيس مجلس الشيوخ. ولكنّ أدريانا سالفاتيرا أريازا، أعلنت أمس استقالتها. وأيضاً بسبب استقالة رئيس مجلس النواب فيكتور بوردا، لن يؤول المنصب إليه.
بقيت في «الميدان»، النائبة الثانية لرئيس مجلس الشيوخ، المعارضة جيني أنيز، التي أعلنت لوسائل إعلام محلية استعدادها لتولّي المسؤولية، وستدعو إلى إجراء انتخابات جديدة.
ماذا كان موقف أبرز الدول من استقالة موراليس؟
- حثّ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو منظمة الدول الأميركية «على إرسال بعثة إلى بوليفيا للإشراف على العملية الانتخابية الجديدة ولضمان أن تكون المحكمة الانتخابية مستقلّة وتعكس شريحة واسعة من المجتمع البوليفي. ندعو الجميع إلى الامتناع عن العنف خلال هذا الوقت العصيب وسنواصل العمل مع شركائنا الدوليين لضمان نجاح الديمقراطية».
أدانت دول كوبا والأرجنتين وفنزويلا والمكسيك الانقلاب في بوليفيا:
- وصف الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بيرموديز، ما حصل بأنّ «اليمينيين في بوليفيا هاجموا الديمقراطية من خلال انقلاب عنيف وجبان».
- الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز، اعتبر أنّ الانقلاب تمّ «بسبب احتجاجات عنيفة من جانب المدنيين، وإهمال قوات الشرطة وعدم استجابة الجيش».
- قال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إنّ «الشعب الفنزويلي سيحتجّ للدفاع عن حقوق السكان الأصليين، ضحايا العنصرية، في بوليفيا». يُذكر أنّ عدداً من المحتجين المُلثّمين، استولوا أمس على مقرّ السفارة الفنزويلية في العاصمة البوليفية، لاباز.
- أعلن وزير الخارجية المكسيكي مارسيلو إبرارد، أنّ بلاده ستمنح حق اللجوء لموراليس إذا طلب ذلك.
-دعت وزارة الخارجية الروسية إلى «التعقّل وإيجاد حلّ دستوري للأزمة بعد تطوّر الأحداث وفق انقلاب معدّ مسبقاً».
- دعت الممثلة العليا للسياسة الخارجية في الاتّحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، الأطراف في بوليفيا، إلى التحلّي بضبط النفس وروح المسؤولية، وإجراء انتخابات جديدة.
- الأمين العام للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيرش، عبّر عن قلقه إزاء التطورات، داعياً إلى التهدئة وإجراء انتخابات «موثوقة».