فوز دو إيغواسو | تُودّع بوليفيا ما بات يُعرف بـ«عهد الفقراء» مع رحيل الرئيس إيفو موراليس عن السلطة، مدفوعاً بافتقاده كلّ أدواتها دفعة واحدة، جرّاء انقلاب أميركي نُسجت خيوطه في خليّة سفارة الولايات المتّحدة في لاباز. وعلى رغم الانتشاء الذي تعيشه واشنطن وحلفاؤها من اليمين المتطرف بإطاحة رجل الطبقات الشعبية من الرئاسة، إلّا أنّ عودة الرجل إلى مسقط رأسه في كاماتشو لا تُنذر بخير للمنقلبين، بعدما وعدهم بأنّه سيعود لينقذ البلاد مع المخلّصين والشرفاء.

لم تحمل الأيام الأخيرة من حكم الرئيس البوليفي المستقيل، إيفو موراليس، إلّا سلسلة من الطعنات والانقلابات الداخلية التي بدأت بتمرّد الأجهزة الأمنية المخوّلة حفظ الأمن الداخلي. تمرّدٌ لم تقتصر مفاعيله على توقّف تلك الأجهزة عن أداء مهمّاتها في مكافحة أعمال الشغب، بل راح عددٌ من الضباط يدير عمليات السطو وإحراق المؤسّسات العامة والاعتداء على الناس الذين لم ينصاعوا لميليشيا «اللجان الأهلية» التي شكّلتها المعارضة، وأدارت عبرها عمليات الفوضى. ولم تنتهِ الفوضى باستقالة الرئيس ومغادرته إلى مسقط رأسه في مدينة كوتشابمبا، بل استمرّت في ملاحقة المقرّبين منه وسلب ممتلكاتهم وإحراق بيوتهم. كذلك، نفّذت ميليشيا اليمين المتطرف، بغطاء من الجيش البوليفي، عمليات اعتقال عشوائية، أُوقفت إثرها رئيسة المحكمة العليا لشؤون الانتخابات، ماريا أوجينيا شوكي، التي ظهرت على شاشات التلفزيون مكبّلة اليدين.
الإشارات الأولى إلى الانقلاب العسكري في بوليفيا بدت واضحة يوم السبت الفائت، حين أكّد مقرّبون من الرئيس توجّسه من الطريقة التي يتعاطى بها المجلس العسكري. سارع موراليس صباح الأحد إلى الدعوة إلى إجراء انتخابات رئاسية جديدة، وتعيين هيئة قضائية شفافة تشرف على عملية الاقتراع. لكنّ العرض جاء متأخراً، بعدما كانت اجتماعات السفارة الأميركية في لاباز قد أنهت صفقة قاتلة انضمّ إليها قائد الجيش وليامز كاليمان. وبالفعل، ظهر الأخير بعد ساعات قليلة من المبادرة الرئاسية ليعلن دعوة الجيش إلى استقالة موراليس كي «يجنّب البلاد الفوضى والاقتتال»، حسب زعمه.

أنهت اجتماعات السفارة الأميركية في لاباز صفقة قاتلة انضمّ إليها قائد الجيش


لم يشبه اتّصال الجنرال كاليمان بموراليس عصر الأحد، الخطاب الهادئ الذي تحدّث فيه عبر الشاشة، بل حمل تهديداً مباشراً وتخييراً بين استقالة طوعية تتيح للرئيس الخروج بسلام، أو خلعه بالقوة واقتياده إلى السجن. سبق هذا التهديد إرغامُ رئيسة المحكمة العليا للشؤون الانتخابية على تقديم استقالتها بهدف تشديد الضغط على موراليس، الذي فقد في لحظة واحدة كلّ أدوات السلطة، ما دعاه إلى إعلان استقالته وانتقاله إلى مسقط رأسه في كوتشابمبا التي أعلنها قاعدة «القيام الجديد». وبدا لافتاً أن نص الاستقالة يشير بوضوح إلى حجم التهديد والابتزاز اللذين تعرّض لهما موراليس، إذ قال: «أستقيل حتى لا يستمرّ (المرشّح الرئاسي كارلوس) ميسا و(زعيم المعارضة اليمينية في منطقة سانتا كروز لويس فرناندو) كاماتشو في اضطهاد وزرائي وممثّلي النقابات وعائلاتهم، حتى لا يخطفوهم ويعذبوهم، وحتى لا يتأذى التجار والمهنيون، ولا تتأثر قطاعات النقل والخدمات». ويُعدّ هذا الانقلاب، بحسب مصادر إعلامية مطلعة، «الخطة (ب)» التي وضعتها خلية السفارة الأميركية في لاباز، بعدما كانت الخطة الرئيسة تعتمد على تصفية جسدية لموراليس. لكنّ فشل المحاولة عبر تعطيل المروحية التي كانت تقلّ الرئيس البوليفي، وهبوطها اضطرارياً بسلام الأسبوع الماضي، عجّلا من تبنّي القرار الثاني الذي ظلّ مستبعَداً خشيةَ أن يُحدث تبعاتٍ سلبية ويعيد إنتاج اليسار البوليفي بزخم أكبر.
في الشكل، نجح الانقلاب العسكري، لكنّ التبعات التي كانت تحسبها واشنطن بدأت تتظهّر في المواقف الدولية المندّدة، خصوصاً مِن روسيا والصين اللتين وصفتا العمل بـ«المدبّر». أول المندّدين بالانقلاب العسكري في بوليفيا كان الرئيس الأرجنتيني المنتخب ألبرتو فرنانديز، والزعيم البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. الأخير اعتبر أن الإطاحة بموراليس هي تأكيد على أن الطبقة الغنية في أميركا اللاتينية لا يمكنها التعايش مع الديموقراطية ولا مع حقوق الفقراء.
لكن ما يقلق واشنطن أكثر من مواقف التنديد هي شخصية إيفو موراليس، وانحداره من الطبقات الفقيرة التي تشكّل غالبية البوليفيين، فلا يحتاج الرجل إلى وقت طويل كي يعيد إنتاج ثورة مضادّة، وهو الذي أرفق استقالته بوعد صريح بأنّه سيعود وسيقود إنقاذ البلاد مع المخلّصين والشرفاء. قلق واشنطن من بقاء موراليس داخل بوليفيا قد يُحدث تطوراً جديداً يتمثّل في اغتيال سياسي، وهو ما أشار إليه كاماتشو حين تحدّث عن محاكمات ستجري في حق موراليس وأعضاء حكومته. الأمر نفسه أكّده الأخير عبر تغريدة تحدّث فيها عن بدء قوى الأمر الواقع بتحضير أمر اعتقال بحقّه، بينما حذّر في تغريدة أخرى من سمّاهم بـ«المتآمرين»، ميسا وكاماتشو، من اللعب بدماء البوليفيين، داعياً إياهما إلى إحلال السلام، وضمان الاستقرار والتعايش الأخوي بين فئات الشعب البوليفي.
هكذا، ترجع بوليفيا 14 عاماً إلى الوراء، حين بدأت الطبقة الثرية بإعداد العدّة للتغيير الجذري في البلاد برعاية كاملة من الولايات المتحدة، فيما بدا أن ثمة خللاً واضحاً في فهم الطبقات الشعبية لحقيقة الأحداث. فالطبقات الفقيرة التي ينتمي إليها موراليس وقعت ضحية حملات إعلامية تمتدّ على سنوات حكم الأخير، جعلتها إزاء الرجل الذي تفانى في خدمتها، واستعدى من أجلها تكتّلات المال والنفوذ، تقف متفرّجة على سقوط «عهد الفقراء»، بل ويحتفل جزء منها بما ظنَّه فرصةً أخرى لحياة أفضل، متناسياً أن اليمين ورأسمالييه في أميركا اللاتينية لا يؤمنون بأدنى حقوق البسطاء، وأن سياسات الدولة وإمكانياتها يجب أن تُسخَّر للشركات الكبرى وحيتان المال والأعمال. لكن أخطر ما في الأمر، أن عودة اليمين المتطرّف بعد عقد ونصف العقد من العزلة تبدو أكثر دموية ووحشية، إذ ستشكّل الأيام المقبلة فرصة للانتقام الجماعي والمزيد من الإفقار والتجويع.