لم تخرج جلسة الاستماع العلنية الأولى ضمن إجراءات التحقيق لعزل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الأُطر المتوقعة. وإن ألقت الضوء أكثر على «انتهاكات» الرئيس، فقد أظهرت جانباً آخر من القضية، تمثّل في «ارتباك» الجمهوريين في دفاعهم عنه. كرّر الشاهدان اللذان استضافتهما لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، أول من أمس، الادعاءات التي كانا قد ذكراها سابقاً في الجلسات السرية، وفي الوقت ذاته تحدثا عن تفاصيل مثيرة للاهتمام من دون أن يُحدثا خرقاً كبيراً.

الدبلوماسيان وليام تايلور (أعلى دبلوماسي في سفارة الولايات المتحدة في كييف)، وجورج كنت (أرفع مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية متخصّص بالشؤون الأوكرانية) تحدّثا مطوّلاً. ومن المعلومات الجديدة التي كشفها تايلور، اتصال هاتفي جرى بين ترامب ودبلوماسي آخر، بعد يوم واحد على المكالمة التي أجراها في 25 تموز/ يوليو مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. فقد قال إن أحد مساعديه كان مع سفير الولايات المتحدة لدى الاتحاد الأوروبي غوردون سوندلاند، الذي كان حينذاك في كييف عندما اتصل ترامب «بالسفير سوندلاند وسأله بشأن التحقيقات» عن خصمه السياسي الديموقراطي جو بايدن. وبعد ذلك، سأل مساعد تايلور سوندلاند عمّا يفكر به ترامب بشأن أوكرانيا. وقال تايلور إن «السفير سوندلاند رد بأن الرئيس ترامب مهتم في التحقيقات بشأن بايدن»، التي يمارس (محاميه رودي جولياني) ضغوطاً من أجلها، أكثر ممّا هو مهتم بالوضع في هذا البلد.
الدبلوماسيان كررا، أيضاً، الرواية عن كيفية حلول قناة دبلوماسية «غير نظامية» تدريجياً محل القنوات «الرسمية» في أوكرانيا. وقال تايلور إن هذه القناة «غير النظامية» التي فتحها رودي جولياني المحامي الشخصي لترامب جاءت «ضد المصالح الأميركية في هذا البلد». أما جورج كنت، فقد صرّح بأن جولياني سعى إلى «ما يلطخ سمعة» جو بايدن، الذي يتمتع بفرص كبيرة لمنافسة ترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2020. وأضاف: «في منتصف آب/ أغسطس بدا لي بشكل واضح أن جهوده باتت تسمّم» العلاقات بين كييف وواشنطن.

رأت «ذي نيويورك تايمز» أن الجمهوريّين صنعوا لأنفسهم «مهمّة مهينة»


على الجهة المقابلة، برز انتقاد العديد من البرلمانيين الجمهوريين للدبلوماسيَّين، لأنهما لم يتحدثا يوماً إلى دونالد ترامب واستندا في موقفيهما إلى مصادر غير مباشرة. وقال النائب جيم جوردان ساخراً، خلال استجوابه وليام تايلور: «في جملة واحدة، هناك ستة أشخاص يشاركون في أربعة حوارات». وأضاف: «لا يمكن أن أصدّق ذلك». فرد السفير من دون أن يفقد هدوءه: «أعتقد أنني قلت بوضوح إنني لم أحضر إلى هذا المكان لاتخاذ موقف لمصلحة هذا المعسكر أو ذاك».
«التخبّط» الجمهوري في الدفاع عن ترامب احتلّ مساحة كبيرة من تعامل الصحف الأميركية مع الأمر. فقد رأت «ذي نيويورك تايمز»، في افتتاحيتها، أن الجمهوريين صنعوا لأنفسهم «مهمة مهينة». وأوضحت أنه «بدل التعامل مع الحقائق بشأن مغامرة ترامب الأوكرانية، قاموا بتحريفها وتهرّبوا منها، فضلاً عن أنهم اخترعوا حقائق جديدة يفضلونها».
حتى إن الصحيفة تطرّقت إلى جيم جوردان خصوصاً، معتبرة أنه اعتمد نغمة سريعة، مراهناً على أن «الملاحظة المتكرّرة عن عدم الصدقية والثرثرة المتواصلة يمكن أن تصرف الحضور والمستمعين عن هشاشة حُججه». وإذ أشارت إلى أن «هذا الأخير أصرّ على أن من غير المحتمل أن يكون الرئيس قد ارتكب عملاً خاطئاً، لأنه في النهاية حصلت أوكرانيا على المال من دون الالتزام بأي تحقيقات»، فقد رأت أن «جوردان وزملاءه الجمهوريين اختاروا تجاهل الوقائع التي تدل على أن ترامب احتجز المال لأسابيع، ثمّ أفرج عنه بعدما تغيّرت الظروف بطريقة دراماتيكية».
حاول المحامي بيرناتو ماريوتي أن يعتمد أسلوباً أكثر إنصافاً لجمهوريّي مجلس النواب في مقال له في صحيفة «بوليتيكو»، حيث أشار إلى أن هؤلاء استندوا الى استراتيجية يتبنّاها العديد من محامي الدفاع، عندما يكون لدى المدّعين أدلّة ضد موكّلهم. أي بمعنى آخر، سعى الجمهوريون إلى إرباك القضايا وصرف الحاضرين عن الأدلة الموجودة. ووفق ماريوتي، غالباً ما يحدث ذلك «عندما لا يتمكن محامو الدفاع من القيام بواجبهم على أسس واضحة، فيثيرون الكثير من القضايا الظرفية، على أمل إقناع قاضٍ واحد على الأقل بأن هناك شكاً منطقياً». ماريوتي أشار إلى قصور لدى الديموقراطيين، أيضاً، متحدثاً عن الكثير من النقاط التي يملكونها، فلم يتمكّنوا من اختيار الأهم بينها والتشديد عليها.
الأمر ذاته تكرّر في افتتاحية صحيفة «ذي وول ستريت جورنال»، التي ركّزت بشكل أساسي على قصور وتخبّط الديموقراطيين، ذلك أن هؤلاء «يحوّلون إجراءات العزل إلى تفاهة حزبية جديدة»، بحسب الصحيفة، التي رأت أن هذه الإجراءات «مطبوخة سلفاً، والهدف منها تأكيد استنتاج مفروغ منه». وفي حين لم تغفل «ذي وول ستريت جورنال» إدانة الفعل الذي قام به ترامب، فقد رأت أنه بدل سحب الديموقراطيين لـ«بازوكا» الإقالة، كان بإمكانهم أن يستخدموا «الحلقة الأوكرانية» كحجّة ضد إعادة انتخاب ترامب. وإذ أشارت إلى أنهم لا يملكون الأدلة الكافية والذريعة القانونية لعزل الرئيس، فضلاً عن «عدم وجود جريمة محددة»، فقد خلُصت إلى أنهم بذلك «يحوّلون الإقالة إلى سلاح سياسي روتيني، والرؤساء المستقبليون، من كلا الحزبين، سيندمون على ذلك».