في ما يشبه «الهستيريا» وفق ما وصفه به خصومه، رفع بنيامين نتنياهو صوته بالتحذير من حكومة «مجنونة» قد يقُدِم خصومه على تشكيلها، بالاستناد إلى أصوات العرب، وهو ما يشكل «تهديداً تاريخياً» بحسبه. تهديدٌ أعلن نتنياهو أنه سيمضي بعيداً في التصدّي له، في ما قد يكون محاولة لتصعيد الضغوط على «بيضة القبان» المتمثلة في أفيغدور ليبرمان، تماماً مثلما أن الحديث عن «حكومة أقلية» ربما يستهدف حمل نتنياهو على التنازل. على أيّ حال، لا يبدو أن أياً من الاحتمالات راجحٌ إلى الآن، في ظلّ تضارب المعطيات وإمكانية تبدّلها خلال الأيام الثلاثة المقبلة.

على رغم تصاعد تحذيرات رئيس حكومة العدو الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من «تهديد» وشيك لإسرائيل سينجم عن حكومة يشكّلها منافسوه، فلا شيء محسومٌ حتى الآن. المؤكد فقط أن إسرائيل ما زالت حبيسة مصلحة شخص واحد منذ شهور طويلة، في أزمة لا يبدو أنها ستنتهي من دون تبعات على النظام السياسي وأسلوب مداورة الحكم والإدارة. فقبل أيام على انتهاء تفويض رئيس حزب «أزرق أبيض»، بيني غانتس، لتشكيل الحكومة (مساء الأربعاء)، تعالت صرخة نتنياهو بالتحذير من إمكانية تشكيل حكومة وصفها بـ«المجنونة»، ستُشكّل من وجهة نظره «خطراً داهماً» كونها مدعومة من أعضاء «كنيست» من ممثّلي فلسطينيي الـ1948. ولم يكتفِ نتنياهو بذلك، بل استدعى الأحزاب اليمينية إلى الاجتماع لمواجهة «التهديد التاريخي»، والاستعداد للمواجهة الجماهيرية عبر الشارع. وحدّد رئيس الحكومة معالم المواجهة المقبلة مع «حكومة تضمّ مؤيدي حركتَي حماس والجهاد الإسلامي»، إذ قال (وفق صحيفة «يديعوت أحرونوت»): «سنوقف مسار تشكيل حكومة أقلية، أو سنشكل معارضة قوية تضمّ ملايين الإسرائيليين المعارضين ضمن المواجهة الجماهيرية». كما طلب عبر مقطع فيديو نَشَره على وسائل التواصل الاجتماعي من قائدَي الجيش السابقين، موشيه يعلون وغابي أشكنازي - حليفَي غانتس في «أزرق أبيض» -، الضغط على الأخير لمنع قيام حكومة من هذا النوع. وتوجّه إليهما بالقول: «هل جُننتما؟ ما زال هناك وقت لوقف هذا الجنون، تحدثا مع غانتس وذَكِّراه أن الذين تريد أن تعتمد حكومتك عليهم (القائمة العربية المشتركة) يريدون أن يحاكموك إلى جانب جنود آخرين من الجيش، لجرائم حرب».
خطوات نتنياهو الوقائية - الاستباقية مردّها إلى حجم الخطر الماثل أمامه في ظلّ تزايد احتمالات تشكيل حكومة من منافسيه برئاسة غانتس، تنزع عنه صفة رئيس الحكومة، ما يعني سقوط الحصانة عنه في حال صدور لائحة اتهام جنائية ضده بتهم فساد ورشى، وكذلك تبعات سلبية جداً على مستقبله السياسي من دون إمكانات دفاعية تسمح له بمواجهة المسار القضائي. والواقع أن صرخة نتنياهو ضدّ حكومة أقلية تضمّ أو تأتي بدعم العرب ليست مُوجّهة ضد غانتس وشركائه في حزبه فقط، بل أساساً إلى أذن رئيس حزب «إسرائيل بيتنا»، أفيغدور ليبرمان، وجمهور مؤيّديه من اليمين، لأنه الأكثر تأثّراً بدعاية «التهديد التاريخي» الذي يشكله الفلسطينيون، خاصة مع إدراك نتنياهو أن حكومة كهذه لن تبصر النور ما لم تحظَ بموافقة من ليبرمان نفسه، سواء مباشرة عبر التصويت بـ«مع»، أم حتى التغيب عن جلسة الثقة لتخفيض النصاب.

للمرة الأولى منذ تكليف غانتس انعقد لقاء أمس بين نتنياهو وليبرمان


هل ينجح نتنياهو في مسعاه؟ المعطيات الواردة حتى مساء أمس لا تؤكد أيّاً من الفرضيات. وفيما تنفي مصادر في «أزرق أبيض» حدوث أيّ تقدم في تشكيل حكومة مغايرة لحكومة وحدة، فهي لا تنكر السعي إلى تشكيل «حكومة انتقالية» إذا أخفقت المحادثات حول الوحدة مع «الليكود». وفي ردّه على صراخ نتنياهو، قال غانتس: «هناك احتمال بأن ينتهي حكم نتنياهو قريباً، ولهذا عمد إلى استخدام مصطلح طوارئ لمواجهة مصيره. أقول له: تعالَ إلى مفاوضات بلا كتلة اليمين وكتلة حصانتك، ودعك من الحيل والخداع». ورأى الرجل الثاني في «أزرق أبيض»، يائير لابيد، بدوره، أن «على نتنياهو أن يقول وداعاً بلطف. الهستيريا الصادرة عنه هي ببساطة نفاق رجل يخشى أن يفقد مقعده». لكن ماذا عن ليبرمان، المدماك الرئيس في حكومة أقلية تُنهي حياة نتنياهو السياسي؟ يوم أمس، جمع لقاء لافت ممثلين عن «أزرق أبيض» و«إسرائيل بيتنا» في إطار التفاوض على أسس الحكومة المقبلة. ووُصف اللقاء، في بيان مشترك، بـ«الناجح»، مع تأكيد «إحراز تقدم كبير نحو صوغ مبادئ أساسية، خاصة في ما يتعلق بقضايا الدين والدولة»، كما اتفق الجانبان، وفق البيان، على «مواصلة التفاوض في اليومين المقبلين حول التفاصيل». وسيتشكّل ائتلاف غانتس الحكومي، في حال نجاح المفاوضات، من «أزرق أبيض» و«إسرائيل بيتنا» و«العمل - غيشر»، الأمر الذي يضمن له 47 مقعداً. ومع منحه خمسة مقاعد إضافية من قَِبَل «الاتحاد الديمقراطي»، تكون النتيجة 52. وللوصول إلى أغلبية 61 مقعداً، من الممكن أن يدعمه أعضاء «القائمة المشتركة» الـ13، أو في حدّ أدنى 10 منهم (من دون حزب «بلد»)، في ما يُعرف بـ«شبكة أمان» من خارج الائتلاف.
مع ذلك، لا يمكن التنبؤ بما ستصل إليه الأمور، إذ أن الخطوات العملية والتصريحات الصادرة عن منافسي نتنياهو، والتي تشير إلى تقدّم فعلي في مسار تشكيل حكومة مقلّصة، يمكن في الوقت نفسه إدراجها في إطار الضغوط الأخيرة على الرجل لحمله على التنازل عن شروطه والانفكاك عن الأحزاب اليمينية تمهيداً لحكومة وحدة، مثلما أن صراخ نتنياهو الذي يعبّر عن الموقف الحقيقي لليمين من حكومة تستند إلى تأييد فلسطينيي 48 يستهدف الضغط على ليبرمان لدفعه إلى التراجع. وعليه، فإن كلّ السيناريوات واردة، ويتعذّر الترجيح بينها حتى الدقيقة الأخيرة من تفويض غانتس. لكنّ اللقاء الأول من نوعه (منذ تكليف غانتس) الذي عُقد أمس بين نتنياهو وليبرمان يشير إلى إمكانية تنازل الرجلين من أجل تشكيل حكومة وحدة. إذ أن التسريبات في الإعلام العبري تحدثت عن أن اللقاء تركّز حول مقترح تنازلات متبادلة بين «الليكود» و«أزرق أبيض» وفق الآتي: موافقة غانتس على التناوب على رئاسة الحكومة على أن يكون نتنياهو أولاً، في مقابل قبول رئيس الحكومة الحالي بالانفصال عن الأحزاب الدينية، وإعلانه - في حال توجيه لائحة الاتهام ضده - أنه لم يعد قادراً على مزاولة مَهماته من دون أن يفقد صفته الرسمية، وحينئذ يتولى غانتس بصفته قائمّقام رئيس الحكومة المَهمات كاملة. هذا المقترح يلبّي كلّ شروط «أزرق أبيض»، ويمنح نتنياهو حبل نجاة للبقاء خارج السجن، وإن كان الثمن تخلّيه عن اليمين الذي وقف إلى جانبه طوال الأشهر الماضية.
يبقى أنه في حال انتهاء مدة تفويض غانتس من دون التوصل إلى تشكيل حكومة، سينفتح المشهد الداخلي على مسار آخر، ينتقل التفويض بموجبه إلى أيّ عضو «كنيست» يستطيع تحصيل أصوات 61 من رفاقه في الندوة البرلمانية لتشكيل حكومة، وذلك خلال 21 يوماً، قبل إعلان موعد انتخابات ثالثة.