سلّط هجوم فلوريدا، على يد ضابط سعودي، مجدداً، الضوء على المسار المُعقّد الذي يحكم العلاقات الأميركية ــــ السعودية، فضلاً عن كونه أعاد الجدل، أميركياً، في شأن تصنيفات الإرهاب. مسارٌ لا يعني الإدارة الحالية حصراً، بل هو متواصل منذ هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001 (شارك في تنفيذها 15 مواطناً سعودياً من أصل 19)، التي افتتحت واشنطن على إثرها «الحرب على الإرهاب».

لم يكد يمرّ يومان على حادثة إطلاق النار في قاعدة بينساكولا الجوية التابعة لسلاح البحرية في فلوريدا على يد محمد الشمراني (21 عاماً)، الملازم الثاني في سلاح الجو الملكي السعودي والمتدرّب في البحرية، حتى اكتملت الرواية الرسمية للإدارة الأميركية، لتكشف من جديد الدينامية التي تحكم العلاقات بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وقيادة المملكة: إجهاض أيّ اقتراح يدعو إلى مساءلة الرياض. عقب الهجوم، أعلن ترامب أنه تلقّى اتصالاً من الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، الذي سعى إلى التأكد من أن هذه الحلقة، كما سابقاتها، لن تؤدي إلى أيّ تصدّع في العلاقات بين البلدين. يوم السبت، وبينما كان متوجّهاً إلى فلوريدا لحضور حفل تبرّعات لـ«المجلس الإسرائيلي ــــ الأميركي»، أشار ترامب إلى أن الملك السعودي وولي عهده، محمد بن سلمان، «سيساعدان أسر (الضحايا) بشكل عظيم»، من دون أن يحدِّد أوجه المساعدة، أو يأتي على ذكر كلمة «إرهاب». في اليوم ذاته، بدا وزير الدفاع، مارك إسبر، أكثر وضوحاً؛ قال صراحةً إنه غير مستعدّ، في هذه المرحلة، لوصم هجوم فلوريدا بـ«الإرهاب»، إذ يمكن إلحاقه بحوادث إطلاق النار الجماعي التي تودي، سنوياً، بحياة الآلاف في الولايات المتحدة. لكن الوزير عاد ليعلن، يوم أمس، أنه وجّه «البنتاغون» لمراجعة الإجراءات المتعلقة بأمن القواعد العسكرية، وطلب إليه أيضاً «مراجعة إجراءاتنا المتعلقة بالفحص» قبل مجيء الجنود الأجانب من بلدان أخرى بغرض التدريب، واصفاً البرامج التدريبية بـ«المهمة جداً لأمننا القومي». وعطفاً على ما قاله الوزير الأميركي، خلُص «مكتب التحقيقات الفدرالي» (اف بي آي)، إلى القول إن الضابط السعودي تصرّف بمفرده حين قتل ثلاثة بحارة وأصاب ثمانية أشخاص، بينهم عنصران في الشرطة، مؤكداً أن «الحكومة السعودية تعهّدت بالتعاون بشكل كامل مع تحقيقنا».

قال إسبر إنه غير مستعدّ، في هذه المرحلة، لوصم هجوم فلوريدا بـ«الإرهاب»


وأفادت «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصدر مطّلع على التحقيق، بأن الشمراني عرض مقاطع فيديو لحوادث إطلاق نار جماعي أمام آخرين كي يشاهدوها خلال حفل عشاء في الليلة التي سبقت تنفيذ هجومه. كذلك، ذكر موقع مجموعة «سايت» الأميركية لمراقبة الحركات الجهادية أن مطلق النار نشر بياناً مقتضباً عبر «تويتر» قبل الحادث، يقول فيه «أنا ضد الشر، وأميركا عموماً تحولت إلى دولة شر». وكتب: «أنا لست ضدكم لأنكم فقط من الأميركيين، أنا لا أكرهكم بسبب حرياتكم، أكرهكم لأنكم كلّ يوم تدعمون وتمولون وترتكبون جرائم ليس فقط ضد المسلمين، بل كذلك ضد الإنسانية». وتم حذف الحساب حيث ورد المنشور الذي ندّد كذلك بالدعم الأميركي لإسرائيل، وتضمّن اقتباساً للزعيم الراحل لتنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن. وفي أعقاب العملية، تم اعتقال ستة سعوديين، بينهم ثلاثة شوهدوا وهم يصوّرون الهجوم بأكمله، بحسب ما أفادت «نيويورك تايمز»، نقلاً عن شخص مطّلع على التحقيقات الأولية. أما الثلاثة الآخرون، فقد وصلوا إلى الولايات المتحدة برفقة الشمراني واستقروا في مواقع تدريب في لويزيانا وأوكلاهوما، على ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» نقلاً عن مصادر لم تُسمِّها.
ولا يمكن قراءة ردّ الفعل الأميركي الأخير، بمعزل عن موقف الإدارة إزاء جريمة اغتيال جمال خاشقجي، حين وضعت الاستخبارات المركزية الأميركية على مكتب الرئيس ما يؤكّد ضلوع ابن سلمان في حادثة القنصلية، لكن ترامب رفض الخلاصات هذه، وأفشل كلّ مساعي الكونغرس لخفض المساعدات العسكرية الأميركية للمملكة. ثم جاء هجوم بينساكولا، القاعدة التي أُسِّست في عام 1985 خصوصاً من أجل الطلاب السعوديين، ليعيد تأكيد الميل المستمر نحو حماية العلاقة الثنائية. بالنسبة إلى الإدارة الأميركية، فإن حساب التفاضل والتكامل بسيط: السعودية ليست ضرورية لإمدادات النفط العالمية فحسب ــــ على رغم أنها لم تعد كذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة ــــ بل هي، بنظر الأميركيين، القوة الإقليمية الوحيدة القادرة على مواجهة إيران. من هنا، فإن الحادث الأخير لا يُتوقّع، كما بات واضحاً، أن يؤثر في مسار العلاقات الوثيقة بين الرياض وواشنطن، مع سعي الحكومتين إلى تعزيز التعاون الدبلوماسي والعسكري لمواجهة الجمهورية الإسلامية. النتيجة، بحسب ما يرى مسؤولون سابقون في إدارة ترامب يمكن اعتبارها بمثابة رفض لأيّ نقدٍ يمكن أن يضعف هذا الترابط، وخصوصاً أن الرئيس الأميركي سارع إلى طمأنة حلفائه إلى أن العلاقات ستستمر على النحو المعتاد، ما طرح، بحسب «نيويورك تايمز»، تساؤلات حول كيفية تصنيف حوادث إطلاق النار، وكيفية استجابة الإدارة إذا ما كان المهاجم إيرانياً مثلاً، أو مهاجراً من المكسيك.