بعد مُضيّ ثلاث سنوات على آخر قِمة عُقدت لتسوية النزاع في أوكرانيا، تمكّن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مِن جَمع «رباعي النورماندي» (فرنسا وألمانيا وروسيا وأوكرانيا) لهدفين اثنين: الأول تحقيق تقدّم في القضية الأوكرانية وضَعه ماكرون شرطاً مسبقاً لإعادة إطلاق حوار مع روسيا تحت عنوان أولوية «المصالح الأمنية» للقارة، والثاني طمأنة نظرائه الأوروبيين إزاء مسار التقارب الفرنسي ــــ الروسي بعيداً عن الولايات المتحدة التي يصل إليها وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، اليوم، حيث يلتقي نظيره الأميركي، مايك بومبيو، والرئيس دونالد ترامب، لبحث جملة قضايا من بينهما الأزمة في أوكرانيا.

وفي مسعى لإيجاد آلية لتطبيق اتفاقات مينسك، كمقدِّمة لحلّ سلمي دائم، عُقد اللقاء الأوّل بين الرئيسين الروسي، فلاديمير بوتين، والأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، في العاصمة الفرنسية، باريس، برعاية ماكرون وحضور المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. زيلينسكي، من جهته، كان واقعياً في مقاربة التحديات المنتظرة من القمة، حين رأى أن تبادلاً جديداً للأسرى بعد العملية التي تمّت في 7 أيلول/سبتمبر، فضلاً عن «تنفيذ فعلي لوقف إطلاق النار»، يشكّلان مؤشرات جيدة. وهو حضر إلى القمة بسقف توقعات منخفض، إذ قال قبل أسبوع، إنه «يجب على الناس الحضور إلى هذه الاجتماعات بنيّة عدم حدوث أي شيء». وحتى ليل أمس، لم يكن البيان الختامي للقمة قد صدر، لكن بوتين أعرب عن ارتياحه لنتائج اللقاء مع زيلينسكي في قصر الإليزيه. ولفت مساعده، يوري أوشاكوف، قبيل اللقاء، إلى أهمية أن يبحث الرئيسان تنفيذ «مينسك»، لكنه امتنع عن الإجابة عن تناول المباحثات خلاف الغاز بين موسكو وكييف، برغم حضور كل من وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، ورئيس شركة «غازبروم»، أليكسي ميلر، ووزير الخارجية، لافروف، اللقاء.

أعلن وزير الخارجية الألماني أن قادة الاتحاد سيجدّدون العقوبات على روسيا


إذن، هو اجتماع لا يُتوقَّع أن ينتهي باتفاق سلام شامل، كونه مخصّصاً قبل أي شيء للتفاهم على آليات لتسوية النزاع في منطقتَي دونيتسك ولوغانسك اللتين انفصلتا عن أوكرانيا بعد وقت قصير من ضمّ روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014. لكن قضية القرم التي أدّى ضمُّها إلى فرض عقوبات دولية على موسكو، لن تكون مطروحة على طاولة المفاوضات، كما أكّد دبلوماسيون، مع أن بوتين لا يريد العودة خالي الوفاض، وسيضغط لتخفيف العقوبات على بلاده. أما وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، فقال أمس، إن قادة الاتحاد الأوروبي سيجدّدون العقوبات الاقتصادية على موسكو خلال قمتهم هذا الأسبوع، مؤكداً أنه لا يرى سبباً لتخفيف العقوبات بسبب الدور الروسي في النزاع في شرق أوكرانيا. وفي حين يسعى ماكرون إلى تحسين العلاقات بين أوروبا وروسيا، رأى ماس أنه «من المبكر جداً تخفيف العقوبات».
وفق الأهداف الموضوعة للقمة، يأمل الرباعي في التوصل إلى اتفاق ينص على: حل الميليشيات غير القانونية، ورحيل المقاتلين الأجانب من دونيتسك ولوغانسك، واستعادة كييف السيطرة على حدودها مع روسيا. ومن الأمور الرئيسية أيضاً الاتفاق على موعد لانتخابات في دونيتسك ولوغانسك بموجب القانون الأوكراني، إذ تتمتّع المنطقتان بوضع خاص وحكم ذاتي، وهو مسارٌ يعرف باسم «صيغة شتاينماير» التي يُتوقَّع أن تدفع بارس وبرلين وكييف إلى اعتمادها. لكن الأخيرة وموسكو لا تزالان متباعدتين في شأن تسلسل الخطة، وخاصة حول ما الذي يأتي أولاً: فك الارتباط ونزع السلاح، أو الانتخابات؟
تسوية الأزمة في الشرق الأوكراني دونها الكثير من العقد، وكانت البداية مع اتفاق مينسك الأول بين الحكومة الأوكرانية والشرق الانفصالي في أيلول/سبتمبر 2014، برعاية روسيا و«منظمة الأمن والتعاون في أوروبا»، وقد نصّ على: إنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومتراً وسحب الميليشيات المسلحة والمعدات العسكرية خارجها، ومنع استخدام الأسلحة الثقيلة في المناطق المأهولة، ومنع المقاتلات من التحليق فوق المنطقة الآمنة التي ستكون تحت مراقبة «الأمن والتعاون»، بجانب لا مركزية السلطة وإقرار قانون في شأن الوضع الخاص لدونيتسك ولوغانسك. لكن هذا الاتفاق لم يُطبّق، ما دفع قادة «رباعي نورماندي» إلى اعتماد «مينسك 2» في شباط/فبراير 2015، الذي نصّت نقاطه الرئيسية على: وقف إطلاق النار وسحب الأسلحة الثقيلة تمهيداً لإقامة منطقة فاصلة بعمق 50 إلى 140 كيلومتراً، وتحفيز الحوار السياسي لتنظيم انتخابات محلية وتحديد الوضع المقبل لمناطق شرق أوكرانيا، والإفراج عن الرهائن والمعتقلين وإعادة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، ومراقبة القوات الأوكرانية للحدود بعد تنظيم انتخابات محلية، وإعداد دستور جديد بحلول نهاية 2015 يعتمد اللامركزية في الجمهوريتين الانفصاليتين. اتفاق آخر تعثّر تنفيذه، قبل أن يطرح وزير الخارجية الألماني آنذاك، فرانك فالتر شتاينماير، صيغته التي عرفت باسمه. وتعتمد هذه الصيغة آلية لتنفيذ البنود الأكثر إشكالية، وتنص على: بدء سريان القانون في شأن الوضع الخاص لدونيتسك ولوغانسك موقتاً فور الانتهاء من التصويت في الانتخابات المحلية التي تُنظّم وفقاً للدستور الأوكراني، ودخول هذا القانون حيز التنفيذ دائماً بعد اعتراف «الأمن والتعاون» بنزاهة وحرية الانتخابات، وإصدار عفو عام عن جميع المشاركين في القتال قبل الانتخابات.