لندن | بريطانيا حرفياً، منذ اليوم، بتصرّف شخص واحد: بوريس جونسون. وذلك بعد نتيجة حاسمة في الانتخابات العامة المبكرة، منحت حزب «المحافظين» أغلبية مريحة بـ364 مقعداً (من أصل 650)، بما يضمن له القدرة على تمرير أية تشريعات أو سياسات من دون مشاغبة من المعارضة، ولا حتى من داخل حزبه نفسه لخمس سنوات مقبلة، مع إمكان التمديد لخمس أخرى. وقد اكتسح مرشحوه معظم إقليم إنكلترا، باستثناء العاصمة لندن، منتزعين أكثر من خمسين مقعداً إضافياً من مناطق كانت تاريخياً مغلقة لـ«العمّال»، في ما عُدّ إنجازاً تاريخياً لـ«المحافظين» يمكن تفسيره، جزئياً على الأقل، بغلبة مؤيدي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ــ «بريكست» ــ على الأرياف والمناطق الطرفية في شمال ووسط إنكلترا.

جونسون رجل بريطانيا القوي، سينتظر خطاب الملكة إليزابيث الثانية لإعادة افتتاح البرلمان، يوم الخميس المقبل، قبل أن يمرّر مشروعه لتنفيذ «بريكست»، والذي كان رفضه البرلمان السابق مرات عدة، ما يعني أن لندن ستكون خارج الاتحاد الأوروبي صبيحة الأول من شباط / فبراير المقبل، ليتفرّغ بعدها لخوض مفاوضات حول إعادة ترتيب علاقات بريطانيا التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وربما توقيع اتفاق تجارة كبير مع الولايات المتحدة. وبما أن هذه النتيجة الحاسمة لم تكن متوقّعة، فإن توجهات جونسون بعدها لا تزال غير معروفة تماماً. ولكن، يرى خبراء أنّه، وإن فاز بمنصبه على أجندة يمينيّة، فغالباً سيتسلم مفاتيح «10 داونيينغ ستريت»، ويهرول من فوره نحو «الوسط»، كي لا يستفزّ النصف الذي لم يصوّت له من الجمهور. فهو يدرك أن هذا الاكتساح للبرلمان، جاء أساساً على ظهر نظام انتخابي غير عادل يمنح قيمة أعلى لأصوات أقل عدداً في مناطق معيّنة، على حساب سكان العاصمة والمدن الكبرى. بالتالي، فإن زيادة التأييد الفعلي له بين السكان لم تتجاوز 1% عددياً، في وقت من المعروف أن طموحه يتمحور حول رغبةٍ في تمديد عهده لخمس سنوات لاحقة، في انتخابات عام 2024.
ورفداً لهذا الانتصار، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ــ أكبر داعمي جونسون ــ إلى الاحتفال مبكراً، معتبراً أن هذا الانتصار سيفتح الباب مشرّعاً، الآن، لتوقيع اتفاق تجارة دسم بين بلديهما، بعد تحرّر الجزيرة البريطانية من هيمنة بروكسل، نهاية كانون الثاني / يناير. وبدت تلك إشارة واضحة إلى تأكيد تحذيرات المعارضة من أن «المحافظين» دخلوا، بالفعل، في مفاوضات متقدمة مع الأميركي، لبيع القطاع الصحيّ العام، إلى شركات التأمين والأدوية الأميركية، ليفقد بذلك البريطانيون آخر مرافقهم العامة، لمصلحة رأس المال المعولم. يأتي ذلك فيما بدا الأوروبيون مقرّين بسلطة جونسون الجديدة، إذ أعلنت برلين وباريس ــ كما رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ــ عن تعهدهما العمل معه لبناء علاقات إيجابية مستقبلاً.

سيصطدم جونسون مع الأقاليم التي بعثت بإشارات إلى توجّهات استقلالية وعداء له


مع ذلك، ينبغي على «ملك إنكلترا» الجديد، أن يتحضّر الآن للاصطدام مع الأقاليم الطرفيّة الخاضعة لحكم لندن: اسكتلندا، وإيرلندا الشمالية وويلز، والتي بعثت جميعها بإشارات، عبر طريقة تصويتها، إلى توجهات استقلالية وعداء لا يخفى للـ«جونسونيّة» ومنهجها السياسي الانعزالي، بعيداً عن الجار الأوروبي. فالويلزيون، ورغم تراجع نسبي في شعبيّة حزب «العمّال»، إلا أن غالبية المقاعد الممثلة لهم في البرلمان، بقيت بين «العمّال» و«الحزب القومي الويلزي» المعارض لـ«بريكست». أما في إيرلندا الشمالية، فقد تعرّض حلفاء جونسون إلى هزيمة كبيرة، حيث خسر حزب «الوحدويين الديمقراطيين» اليميني، ولأوّل مرّة في تاريخ الإقليم، الغالبية لصالح «الاستقلاليين الوطنيين»، الذين يريدون خلع سلطة لندن ويسعون للتوحد مع جمهورية إيرلندا، كما خسر قائدهم نايجل دودس مقعده في مجلس العموم. لكن الصفعة الأكبر لجونسون، جاءت من جهة الشمال، حيث صوّت الاسكتلنديون بكثافة لمصلحة «الحزب القومي» هناك، ومنحوه 48 مقعداً من أصل 55 مخصّصة لهم (أي بزيادة 13مقعداً) انتُزعت من يد الأحزاب البريطانية الكبرى: «المحافظين»، و«العمّال» (الذين تبقّى لهم مقعد واحد فقط)، و«الليبراليين الأحرار» (خسرت زعيمتهم جو سوينسون مقعدها). ولم تنتظر الوزيرة الأولى للإقليم نيكولا ستورجن إعلان النتائج النهائية، لتعلن عبر ظهور مكثّف لها على شاشات التلفزيون أن الأمّة الأسكتلندية قالت كلمتها، «فهي اليوم أكثر ميلاً إلى الاستقلال من أي وقت مضى»، وحتماً لا تريد أن تفقد هويتها الأوروبية، ولا ترى نفسها خاضعة للـ«جونسونية» المستجدّة لعقد مقبل، معربة في الوقت ذاته عن أسفها لما آلت إليه الأوضاع عند الجار الجنوبي (إنكلترا). ومع أن الأقاليم جميعها لن تكون قادرة، عددياً بالطبع، على عرقلة التشريعات في البرلمان، إلا أنّ الصداع الذي ستتسبب به قد يؤدي بالمملكة المتحدة إلى التفكّك، خلال السنوات القليلة المقبلة، هذا إن لم يطالب الاسكتلنديون باستفتاء عاجل على الاستقلال، حتى قبل تنفيذ الطلاق مع الاتحاد الأوروبي.
وبينما يتم التجهيز في لندن لتتويج «المهرّج» ملكاً مطلقاً على السياسة البريطانية للعقد المقبل، كان زعيم «العمّال» جريمي كوربن، يعترف بهزيمته القاسية (203 مقاعد مقارنة بـ262)، معلناً أنه لن يخوض أي انتخابات مستقبلاً، وأنه سينسحب بعدما يساعد حزبه على إجراء مراجعة شاملة، قبل الشروع في نقل مقاليد القيادة. وللحقيقة، فإن أداء «العمّال» جاء سيئاً في كل مكان تقريباً خارج العاصمة لندن، من اسكتلندا شمالاً إلى شمال إنكلترا ووسطها (حيث خسر الحزب مقاعد سيطر عليها منذ الحرب العالمية الثانية)، كما تراجعت قوته في ويلز. وسارع ممثلو تيار اليمين في الحزب (تيار توني بلير)، في جوقة واحدة، إلى تحميل النتيجة السيئة لكوربن شخصياً، وللعصبة اليسارية التي تحيط به. والواقع، أن تغييب كوربن عن الساحة السياسية، الآن، يبدو نهاية مفجعة بالضربة القاضية، لما سُمي بـ«الكوربينية» و«الربيع الأحمر»، الذي كان كثيرون في اليسار والأجيال الجديدة من الشباب يحلمون به. لم يخسر كوربن الشخص في هذه الانتخابات، بقدر ما خسرت الطبقة العاملة لمصلحة تحالف عريض من البرجوازية ــ الأرستقراطية الحاكمة، والدولة العميقة المهيمنة على الأمن والإعلام وصناعة الرأي العام، فضلاً عن التيار المتَصهين والسفارة الأميركية. ولا شكّ في أن حزب «العمّال» مقبل، الآن، على حرب أهلية بين القبيلتين المتنازعتين داخله، فيما لن تكون هناك بوادر تهديد للـ«جونسونية»، لعقد مقبل وربما للأبد.