بعدما رفضت الحكومة الفرنسية الدعوات إلى التراجع عن مشروع إصلاح أنظمة التقاعد، مؤكدةً، على لسان رئيسها إدوار فيليب، «العزم المطلق» على استكمال «الإصلاح» الذي سبق وأن وعد به الرئيس إيمانويل ماكرون، عبر إحلال «النظام الموحّد» للتقاعد محلّ 42 نظاماً قائمة بالفعل اليوم، عادت أمس وأرسلت إشارات إلى إمكانية تليينها موقفها، وفتحها الأبواب على حلّ ينهي الإضراب المستمرّ منذ خمسة عشر يوماً، والذي بدأ يهدّد عطلة عيد الميلاد التي تبدأ غداً.

واستبق ماكرون، أمس، اجتماعات بين فيليب والشركاء الاجتماعيين، بإبدائه استعداده لـ«تحسين» المشروع المذكور. وعلى الرغم من أن الرئاسة الفرنسية أكدت أن رئيس الدولة «لن يتخلّى عن المشروع»، إلا أنها أشارت إلى أنه «مستعدّ لتحسينه من خلال المحادثات مع النقابات»، ملمّحة إلى إمكانية تحقيق «تقدّم بحلول نهاية الأسبوع». وفي ثالث أيام التظاهرات، التقى فيليب، بعد ظهر أمس، مسؤولي النقابات وأرباب العمل، في اجتماعات منفصلة حضرها المكلّف الجديد بملف المعاشات التقاعدية، لوران بيترازفسكي. ومن المتوقع أن يلتقي فيليب، بعد ظهر اليوم، شركاء اجتماعيين آخرين، من بينهم مسؤولو قطاع النقل في المنطقة الباريسية والشركة الوطنية لسكك الحديد.
ويتمثّل هدف تلك المفاوضات في إيجاد حلّ للأزمة التي تشلّ قطاع النقل العام على نطاق واسع، وخصوصاً في المنطقة الباريسية، منذ 5 كانون الأول/ ديسمبر. وتقوم التسوية، التي يتطلّع إليها ماكرون، على «تحسين محتمل» بخصوص سِنّ التقاعد الذي يحدّده مشروع الإصلاح بـ64 عاماً بدءاً من عام 2027 بدلاً من 62 حالياً، ويُعرّض الموظفين الذين يتقاعدون عند بلوغه لاقتطاع، فيما يستفيد أولئك الذين يقومون بتأخير تقاعدهم من «مكافأة». لكن الهدف المرحلي، وفقاً للإليزيه، يتمثل في «توقف التعبئة خلال أعياد نهاية العام»، والتي تشهد تقليدياً العديد من عمليات التنقّل العائلية. وهو هدف لا يبدو سهل التحقق، في ظلّ تأكيد النقابات تصميمها على مواصلة التحركات من دون الدخول في «هدنة»، حتى أثناء عطل الأعياد.

لن يتخلّى ماكرون عن المشروع، لكنّه «مستعد لتحسينه من خلال المحادثات مع النقابات»


وتَواصل، أمس، الإضراب في النقل العام المشترك في مختلف أنحاء البلاد، متسبّباً بحالة شلل خصوصاً في المنطقة الباريسية حيث بدا التنقّل صباحاً شديد الصعوبة. إذ كانت ثمانية خطوط «مترو» في باريس مغلقة، بينما سُجّل تحرك القطارات بمعدّل واحد من ثلاثة أو من أربعة على مستوى البلاد. وإذا كانت غالبية من الفرنسيين تؤيد التحركات بحسب الاستطلاعات، إلا أن عدداً كبيراً من مستخدمي النقل العام بدأوا يعبّرون عن تعبهم. مع ذلك، اعتبر أمين عام «الكونفدرالية العامة للعمل»، فيليب مارتينيز، أن تعبئة الثلاثاء كانت «ناجحة للغاية»، متحدثاً عن مشاركة قرابة مليوني فرنسي فيها، فيما تحدثت أرقام السلطات عن 615 ألف متظاهر في مختلف أنحاء البلاد. والجدير ذكره، هنا، أن الإعلان عن سِنّ التقاعد الجديد كان سبباً في انتقال «الكونفدرالية العامة للعمل» إلى فريق المعارضين، بعدما أعلنت أن هكذا إجراء «غير مقبول».
وتتمسك الكتل العاملة بالنظام القائم حالياً، كونه يُعدّ من بين الأكثر توفيراً للحماية في العالم. ويعوّل رافضو مشروع «الإصلاح» على عوامل عدّة للخروج منتصرين من النزاع، من بينها تراجع شعبية ماكرون، وحالة التوتر التي تشهدها البلاد منذ انطلاق تحركات «السترات الصفر» قبل أكثر من عام، فضلاً عن الاستياء المتنامي في المستشفيات وبين الطلاب وعناصر الشرطة والمزارعين.