كما في حياته، كذلك في استشهاده. ظلّ قائد «فيلق القدس» الجنرال قاسم سليماني يؤرق الإعلام الخليجي. منذ اللحظات الأولى لاغتياله إلى جانب أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي العراقي، بدأت التكهنات حول الرد العسكري لطهران، أو لحلفائها تبعاً لما روّجت له هذه المنصات، بهدف تظهير أن العنصر الإيراني لا يبغي الحرب مع الأميركيين.
طيلة الساعات الماضية، صدمة أصابت المحورين المتصارعين، جراء اغتيال سليماني الذي سرق الأضواء من المهندس، بفعل حضوره ودوره القوي وشخصيته الكاريزماتية الآسرة. الخبر الأولي، الذي وشى بحدوث عملية الاغتيال في العاصمة العراقية، فجر أمس، ظل محطّ شك، إلى حين إعلان التلفزيون الرسمي العراقي استشهاد الرجلين. صور السيارات المحترقة وجمع الأشلاء شكّلت مادة دسمة للإعلام الخليجي والسعودي الذي تعمّد إقحامها في كل خبر أو تحليل عن عملية الاغتيال. كما حضرت بقوة المواقف الأميركية على ألسنة نواب ومسؤولين بشكل مباشر على هذه المنصات، في سياق تبرير الجريمة، عبر اتهام قائد «فيلق القدس» بالتخطيط لشن عمليات ضد الأميركيين في العراق.
قناة «العربية» السعودية لم تجدحرجاً في تصنيف عملية «البرق الأزرق» كما أسمتها واشنطن، بـ «الدفاعية والحاسمة» التي أشرف عليها «البنتاغون»، بغية «حماية الطواقم الأميركية» في العراق. وكانت الشبكة السعودية في الساعات الأولى، تسوّق لاغتيال أحد قادة «حزب الله» في الموكب المستهدف، وتردد اسمه مراراً على الهواء، لكن سرعان ما اتضح أن الأمر يندرج ضمن الأخبار الكاذبة.
استنفار تام على الفضائيات العربية سيّما الخليجية منها، أرسى تغطية إعلامية مفتوحة وحيّة على مدار الساعة، ومواكبة الأحداث المترتبة عن هذه العملية، وتداعياتها على المنطقة، وفتح باب الأسئلة حول كيفية الرد الإيراني، وجهوزية الولايات المتحدة للدخول في ساحة الحرب. «العربية» التي وصفت عملية الاغتيال بـ«عملية الاصطياد»، ركزت على خاتم سليماني الذي عنى لها «نهايته» وفق ما أوردت في أخبارها على الموقع الإلكتروني. وقد بدت مزهوّة كما زميلتها «سكاي نيوز» بفيديو يتيم، قيل إنّه صوّر بعد نبأ استشهاد سليماني ويظهر مجموعة عراقيين يحملون علم بلادهم ويحتفلون في الشارع. إلى جانب هذا الفيديو، تعمّد الإعلام الخليجي، رسم سياق لوقائع سابقة، ربطها ببعضها بعضاً بغية تظهير «صوابية» قيام واشنطن بهذه العملية. الأرضية تبدأ من نهار الأحد الفائت، لدى تنفيذ الأميركيين غارة جوية في منطقة القائم العراقية، راح ضحيتها أكثر من 25 مقاتلاً من «الحشد الشعبي». هجوم أتى كـ «ردّ» من واشنطن على «هجمات» شنها الحشد ضد الوجود الأميركي في العراق. سردية سوّقت لها المنصات الخليجية بقوة، وأرفقتها باقتحام السفارة الأميركية في بغداد أخيراً، من قبل عراقيين، وصفتهم بـ «الموالين لإيران». أما «الجزيرة» التي لم تلتق هذه المرة مع المسار الإعلامي السعودي، فبدت على مسافة واضحة من الطرفين، بل إنّها ظهّرت المواقف الإيرانية في كثير من الأحيان، وناقضت السياق الذي ظهر في الإعلام السعودي. على سبيل المثال، وصفت الشبكة القطرية ما كان يقوم به سليماني في العراق وسوريا ولبنان بـ«المهمات الحاسمة»، فيما كانت المنصات السعودية تتحدث عن أدوار «مخرّبة» لسليماني في هذه البلدان.

ركّزت «العربية» على ارتدادات عملية الاغتيال على الساحة اللبنانية


وتوزع المحللون السياسيون والعسكريون على الشاشات، لمقاربة الحدث غير المتوقع، وذي الاحتمالات المفتوحة على المجهول، مع محاولة حثيثة لتصوير بأن ايران لن تقوم برد عسكري مباشر، بل سيحصل ذلك عبر «أذرعها». والمقصود هنا «حزب الله». إذ شاهدنا على «العربية» تلميحاً لهذا الأمر، وكان لافتاً استضافة شخصيات لبنانية، تتكرر دوماً على الشبكة السعودية، وتتمثل بكل من لقمان الحكيم وعلي الأمين، في تركيز واضح على الوضع اللبناني الداخلي، واستخدام كل منهما ضمن سياق معاداتهما للحزب وللمقاومة. صحيح أن الحدث إقليمي وقع في بغداد، وذو تداعيات واضحة على داخل ايران وخارجها، إلا أنّ الأنظار كانت تتوجه أيضاً، إلى الداخل اللبناني، في ظل تأخر انتظار صدور عدد من المواقف حيال ما حدث في العاصمة العراقية، من قبل أحزاب وشخصيات ومن مقارّ رسمية للتعليق على عملية الاغتيال. وطبعاً، في دائرة الاهتمام يتصدّر حزب الله، والحديث عن امتداداته الإقليمية في محور المقاومة. واستثمر هذا الأمر على منصات الإعلام الخليجي. في المحصلة، وتبعاً لما بدا في الساعات الأولى من عملية الاغتيال الأميركية في بغداد، أن هناك إرباكاً واضحاً في التعاطي الإعلامي مع الحدث، الذي فاق كل التوقعات، فعجزت هذه المنصات ـــ رغم دأبها ـــ عن أبلسة سليماني، فكانت البيوغرافيا التعريفية عنه بمثابة سيرة ذاتية حافلة، لرجل استثنائي اغتالته واشنطن، ولم يستطع الإعلام الخليجي حتى التهليل لهذا الحدث، خوفاً مما سيحدث بعد موته!