فجر 12 شباط/ فبراير 2008، كان الوقت مناسباً لتنفيذ عملية الاغتيال. عندما نزل عماد مغنية من سيارته في منطقة كفرسوسة، رصد منفّذو العملية وجود شخص آخر إلى جانبه: لم يكن إلا قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني. تحدث الرجلان وقوفاً قليلاً، قبل أن يدخلا أحد الأبنية للاجتماع مع قادة فلسطينيين. أتيحت للموساد، يومها، فرصة لا تتكرّر لقتل الرجلين معاً. لكن المعادلات وقتها على الإسرائيليين عدم المساس بسليماني. انتظر المنفّذون خروجه من المكان وحيداً. فيما كان في طريقه إلى المطار، خرج مغنية من المبنى لتحين الساعة الصفر، ويتمّ الضغط على زرّ التفجير. أقلّ من 5 سنوات كانت كافية ليعبّر عدد من قادة الاستخبارات، الأميركية والإسرائيلية، عن ندمهم على تفويت تلك الفرصة، خصوصاً أن دور الرجل تطوّر حتى بات «الوحيد القادر على جرّ الجيش الإسرائيلي إلى حربه المقبلة»، بحسب تعبير رئيس الموساد السابق تامير باردو.

لم تكن تلك المرة الأولى ولا الأخيرة التي اقترب فيها سليماني من حافة الموت. الرجل، الذي عُيّن قائد لواء وهو لمّا يزل في الـ19 من عمره، وضعته الظروف على حافة الشهادة مرات عدّة، فضلاً عن إصابات بالغة تعرّض لها غير مرة، في إيران والعراق وسوريا ولبنان. مسافة صفر من العدو كانت أمراً معتاداً بالنسبة إليه. عام 2004، على الحدود اللبنانية - الفلسطينية، كان هو والحاج عماد وقياديون آخرون يتجوّلون على الحدود، متجهين صوب نقطة المنارة. اقتربوا لحظتها من السلك لمعاينة المشهد من هناك. توقفوا قليلاً، وبعد لحظات وصلت دبابة وآلية إسرائيليتان. ترجّل منهما الجنود سريعاً ووجّهوا الأسلحة نحوهم. لم يتزحزح أحد منهم، بل على العكس، قاموا هم أيضاً برفع الأسلحة بوجه الجنود. ساد صمت لدقائق معدودات لم يبادر فيها أحد إلى فتح النار، قبل أن يتراجع الإسرائيليون ويكملوا دوريتهم، ويبقى الحاج قاسم ومَن معه في مكانهم.
عام 2006، وبحسب ما يروي أحد قادة «سي آي إيه»، وصل الى الاستخباراتِ الأميركية تقريرٌ مفاده أن موكباً إيرانياً يضمّ سليماني يتجه نحو شمال العراق. جرى البحث سريعاً في القرار الذي يجب اتخاذه: هل نهاجم القافلة؟ هل نفجّرها؟ أم لا نفعل شيئاً؟. «كنا متأكدين 100٪ أن قاسم كان هناك»، يقول القائد المذكور، مضيفاً أنه «كانت لدينا مشروعية ملاحقته وتصفيته». انتظر الأميركيون حتى يصل الموكب مكاناً يمكنهم فيه السيطرة عليه. اعتقلوا خمسة أشخاص أقرّوا لاحقاً بأنهم دبلوماسون إيرانيون، لكن سليماني، الذي كان على متن الموكب بالفعل، «باغتنا ونجح في الخروج منه من دون أن نتمكن من رؤية ذلك»، وفق المسؤول الأميركي.

لم تكن واقعة 2008 المرة الأولى أو الأخيرة التي اقترب فيها سليماني من حافة الموت


في سوريا، وبعد دخول معركة القصير أسبوعها الثاني، زار سليماني غرفة العمليات للاطلاع على مسار المعركة. أُفردت له خريطة العمليات. لكنه أراد أن يعاين المشهد بنفسه. طلب الوصول إلى مركز بلدية المدينة، خطّ التماس الأخير. تَقدّم مع قائد المعركة رويداً رويداً داخل القصير، وكلّما كان القائد يطالبه بالاكتفاء، كان يطالب بالمزيد، علماً أن السيد حسن نصر الله أوصاه شخصياً بألا يخاطر بنفسه. لكنه سليماني ظلّ مصرّاً على الوصول إلى أقرب نقطة، أي على بعد أمتار من المسلّحين. هناك، وقف بارتياح، ليوصي بإقامة غرفة عمليات متقدّمة تكون أقرب إلى مجريات المعركة.
تعرّض لمحاولات أخرى سابقة ولاحقة أدّت إلى جرحه. كما تعرّض لمحاولات اغتيال أثناء معالجته في المستشفيات. أثناء الحرب الإيرانية - العراقية، تعرض لإصابة بليغة في صدره. ينقل الدبلوماسي صادق خرازي أن أحد أنصار «المنافقين»، وكان يرأس غرفة العمليات، أبقى صدر سليماني مفتوحاً ليزداد وضعه صعوبةً، قبل أن تنتبه ممرضة للأمر وتبلغ المعنيين. محاولات كثيرة، جميعها باءت بالفشل، قبل أن يقضي «الحجي» في كمين الفجر في بغداد.