بالنسبة إلى إسرائيل، مرحلةُ ما بعد اغتيال قائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الشهيد قاسم سليماني، هي مرحلة انتظار، يرافقها العمل التحريضي على ألّا تتراجع الولايات المتحدة. ولئن تَحقّق لإسرائيل ما كانت تعمل عليه، أي اغتيال سليماني، فإن الكثير من الأسئلة لا تزال على طاولة التقدير، وفي المقدّمة تقدير المدى الذي يمكن أن تصل إليه الإدارة الأميركية في المواجهة. بتعبير آخر، تسعى تل أبيب إلى فهم إذا ما كان الاغتيال مؤشراً إلى تحوّل في الموقف الأميركي، أو جزءاً من محاولة ترى واشنطن أنها ستمنع، وإن في ظلّ مسار تصعيدي، أصل المواجهة نفسها بمعناها الأوسع والأشمل. على رغم قرب إسرائيل من دوائر القرار في الولايات المتحدة، إلا أنها تجد صعوبة في تحديد المسار المقبل.

الواضح بالنسبة إليها، حتى الآن، أن لا نيات لدى البيت الأبيض لخوض حرب شاملة تعيد إنتاج الحروب الأميركية في المنطقة خلال العقدين الأخيرين. لكن الواضح أيضاً أن المصالح الأميركية الاستراتيجية تفرض على الولايات المتحدة العمل على كسر نظام الجمهورية الإسلامية، وإن كان الخلاف قائماً حول أنجع السبل وأقلّها أثماناً للوصول إلى ذلك. لا ترى إسرائيل مانعاً من انتهاج مقاربة متطرّفة في مواجهة طهران، انطلاقاً من إدراكها مسبقاً صلابة موقف إيران إزاء الضغوط غير العسكرية والأمنية الواسعة، وإمكانية تعاظم التهديد الإيراني في حال الانكفاء عن مواجهته. ومن هنا، يفضّل معظم المسؤولين الإسرائيليين، الحاليين والسابقين، ومَن هم في المعارضة أو الموالاة على السواء، مواجهة أميركية - إيرانية مباشرة من شأنها إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء تهديده، حتى لو أدّت إلى أثمان إسرائيلية ستكون محتّمة، بالنظر إلى أن إسرائيل ستشكّل جزءاً من خارطة ردّ إيران وحلفائها. لكن هل الولايات المتحدة معنيّة الآن، على رغم كلّ ما حدث، بحرب شاملة؟
يرى المراقبون، وربما المعنيّون، أن ما بين المواجهة الشاملة والتعايش الشامل أوجه مواجهات متعدّدة في مستوياتها، يمكن أن تضمن لإسرائيل مصالح متعدّدة من بينها ما يلي:
- تُحقّق لها غاية كانت تعمل عليها منذ عقدين: وقوع المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وإن ضمن حدود معينة، بما من شأنه إقران الضغوط غير العسكرية بإفهام الإيرانيين أن الخيار العسكري قائم ولا تنتفي إمكانيته إن لم تنفع الضغوط الأخرى، وهذا ما كانت تطالب به إسرائيل دائماً.
- إمكانية ترمّم قدرة الردع الأميركية في وجه إيران، وتبعاً لها قدرة الردع الإسرائيلية نفسها، وفي الوقت نفسه كسر الرهبة الأميركية من ردود الفعل الإيرانية، والتي تسبّبت طويلاً في ابتعاد الأميركيين بشكل مطلق عن المجازفة باستهداف علني لمسؤولين إيرانيين، حتى من مستويات تقع ما دون مستوى سليماني.

يرى المراقبون، وربما المعنيّون، أن ما بين المواجهة الشاملة والتعايش الشامل أوجه مواجهات متعدّدة


- إمكانية أن تنأى إسرائيل بنفسها عن المواجهة (ما دام الأميركي هو المتصدّي)، في انتظار نتائجها، وهذا ما يفرض عليها الابتعاد عن أيّ قول أو فعل يمكن أن يشوّش التوجّه الأميركي، وما يَسِمه من تصميم، أقلّه في العلن، على ردع إيران، وإلا ستكون تل أبيب، في حال فشل تلك الاستراتيجية، عرضة لاتهام بالتسبّب لواشنطن في الأضرار، وهو ما تحذر منه وتعدّه تهديداً بذاته.
مع ذلك كلّه، تبدو الفوائد المذكورة آنفاً عرضة للتحوّل من كونها فرصاً إلى تهديدات في حال جاءت النتيجة النهائية للمواجهة مغايرة للمأمول، علماً بأنها مرهونة أساساً بالردّ الإيراني وتبعاته. هنا، يبدو الردّ، من وجهة نظر إيران، واجباً؛ بالنظر إلى أن من شأنه دفع تهديد وجودي، يسهل في سبيل منعه تلقّي ثمن ردود الفعل الأميركية. أما من جهة واشنطن، فلا ترتبط المواجهة بتهديدات وجودية، وإن كانت كذلك في ما يتصل بالوجود الإقليمي للأميركيين، خاصة أن التصعيد عبر اغتيال سليماني جاء كجزء من خيارات بديلة من الإخفاق في الاستراتيجيات السابقة. وعليه، تكمن الخشية الإسرائيلية في ما بين صلابة الموقف والقرار الإيرانيين في التصدّي، وصلابة الموقف الأميركي في المضيّ قدماً في الخيارات البديلة المذكورة، خصوصاً إذا ما لاحت بوادر الفشل فيها. في هذه الحالة، سيكون الوضع كارثياً على إسرائيل، إذ إن التهديد الإيراني في حينه سيكون عصيّاً على الإحباط.
يبقى أن كلّ ما تقّدم لا يتصل بفرضية مبادرة إسرائيل نفسها إلى حرب ضدّ إيران، في ما عُرف بـ«الضربة الوقائية» التي كانت في العقد الأخير مدار سجال على طاولة القرار، حتى وصفها الرئيس السابق لـ«الموساد»، مائير دغان، بـ«الخطوة المجنونة التي يمنع على إسرائيل اللجوء إليها... حتى عندما توضع السكين على الرقبة، بل تلجأ إليها فقط بعد أن تبدأ (السكين) بالحزّ باللحم الحي» («يديعوت أحرونوت»، 07/01/2011).