بغداد | عكس بيان وزارة الخارجية العراقية، أمس، في شأن استدعائها السفير الإيراني في بغداد، إيرج مسجدي، للاحتجاج على الهجوم الصاروخي للحرس الثوري على قاعدتين عسكريتين تشغلهما القوات الأميركية، تجاوب وزير الخارجية، محمد علي الحكيم، مع الضغوط الأميركية، من دون التنسيق حتى مع رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي. البيان أشار إلى أن القائم بالأعمال المؤقت، موسى طبطبائي، ناب عن مسجدي لوجود الأخير في بلاده في مهمة رسمية، مضيفاً إنه «تمّ إبلاغ طبطبائي رفض الحكومة العراقية تلك الاعتداءات واعتبارها خرقاً للسيادة». وختم البيان بدعوة جميع الأطراف المعنية إلى «التحلّي بضبط النفس، وعدم جعل العراق ساحة حرب لتصفية الحسابات»، والتأكيد أن العراق «بلد مستقل، وأن أمنه الداخلي يحظى بالأولوية والاهتمام البالغين».

هكذا، يمكن القول إن الحكيم بات رسمياً في صفّ رئيس الجمهورية برهم صالح، ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي، وقوى سياسية أخرى، ضمن محور يتحاشى أيّ إزعاج لواشنطن، ويُحمّل طهران مسؤولية مآلات الأمور، بحجة انتهاك السيادة وزعزعة أمن البلاد، علماً بأن واشنطن لم ترسل سفيرها إلى الخارجية عقب استدعائه قبل أسبوعين، وتحديداً بعد العدوان الأميركي على مقارّ «الحشد الشعبي» في منطقة القائم الحدودية مع سوريا. تجاهل تبدو دلالاته واضحة لناحية الاستخفاف بالسيادة العراقية، لكن الحكيم ــــ ومن معه ــــ لم يحرّكوا ساكناً إزاءه، متسلّحين بشعارات تعكس مخالفة دستورية صريحة، بعدم الامتثال لتوجيهات رئيس الوزراء، والعمل وفق أجندات أقلّ ما يمكن أن يقال عنها إنها استجابةٌ لمطالب الاحتلال الأميركي. المفارقة، هنا، وفقاً لما تنقله مصادر سياسية مطلعة لـ«الأخبار» هو أن الحكيم دائماً ما كان «يستنجد» ــــ مباشرةً أو بالواسطة ــــ بقائد «قوة القدس» في الحرس الثوري الإيراني، الشهيد الجنرال قاسم سليماني، لحظة شعوره بأن عبد المهدي ينوي استبداله، مستغربة في هذا السياق سرعة «انتقال البارودة من كتفٍ إلى آخر... فالحكيم بالأمس كان يحارب بسيف سليماني، أما اليوم فبات محارباً لدى السفارة الأميركية وبثمن بخس».

يبدو أن اليوم الجمعة سيكون مفصليّاً في ما يتعلّق بساحات التظاهر


ميدانياً، ومع استمرار سقوط الصواريخ على مقربة من القواعد/ المصالح الأميركية المنتشرة على طول الخريطة الجغرافية، فيما حاول البعض إدراجه في إطار ردّ حلفاء طهران على اغتيال سليماني ونائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، أكد زعيم «عصائب أهل الحق»، قيس الخزعلي، أن فصائل المقاومة لم تستهدف السفارة الأميركية، مرجّحاً أن يكون ذلك بـ«إشراف المخابرات الأميركية نفسها، لتشويش وإرباك الوضع». وفيما حذر من أن رفض الأميركيين الانسحاب من العراق يفرض «زلزالاً عراقياً»، أعلن أن «الساعة الصفر» لعمليات الثأر للمهندس لم تنطلق بعد، مشدداً على أن «الردّ لن يكون أقلّ من الردّ الإيراني على اغتيال الشهيد سليماني... نحن لا نستهدف البعثات الدبلوماسية مطلقاً، ويتركّز عملنا على الوجود العسكري بالدرجة الأساس»، في إشارة إلى طبيعة الاستراتيجية التي ستتبنّاها فصائل المقاومة في المرحلة المقبلة. وفي هذا الإطار، تفيد معلومات «الأخبار» بأن الاتصالات بين فصائل المقاومة كُثّفت في الأيام والساعات الماضية، في ظلّ ترجيحات بإمكانية تشكيل غرفة عمليات مشتركة لإدارة العمل المقاوم، وتنفيذ المطلب المرفوع الذي بات يحظى بإجماع مختلف الفصائل (بما فيها «التيار الصدري» رغم تمايزه)، أي طرد القوات الأميركية من المنطقة.
على خطّ موازٍ، يبدو أن اليوم الجمعة سيكون مفصليّاً في ما يتعلّق بساحات التظاهر، في ظلّ الدعوة إلى «مليونية شعبية» بعنوان «نريد وطن». اللافت أن زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر، هاجم الشعارات المقرّرة للفعالية، قائلاً إنه «إذا تعالت يوم غد مثلُ هذه الهتافات، أو أُذيعت مثل هذه المطالب، أو قرئت مثل هذه الترهات، فستكون بداية النهاية لتلك الثورة التي بدأ وعيها ينحرف عن جادة الصواب». وعلى ضوء ذلك، تثار شكوك حول الغاية من رفع شعارات من النوع المتقدّم في توقيت حسّاس تمرّ به البلاد. وهي شكوك يعزّزها التبنّي الأميركي، عبر الجيوش الإلكترونية التابعة للسفارة، للدعوات الأخيرة، ما يعني أن واشنطن ستواصل العمل على الاستثمار في الحراك المطلبي كواحد من أساليب التصدّي لدعوات إخراجها من العراق.