طهران | كانت حاشية الملك القاجاري، ناصر الدين شاه، مستاءة من أكثر رؤساء الوزراء القاجار محبوبية، أمير كبير، لكنها لم تستطع التخلّص منه، على رغم أنها فعلت كلّ ما كان بإمكانها للإساءة إلى سمعة أمير كبير، وجعل الملك يقوم بإبعاده إلى منطقة فين في مدينة كاشان الإيرانية. قرّر أعضاء الحاشية الانتظار حتى يشرب الملك ناصر الدين شاه الخمر بكثرة في إحدى الحفلات، ويسكر إلى درجة أنه لا يعي ما يفعل، وعلى الفور قامت والدته التي كانت تحمل رسالة الحكم بالإعدام بأخذ توقيعه وإعطاء الرسالة إلى أعداء الملك كي يقوموا باغتيال أمير كبير.

ربما استغل مستشارو دونالد ترامب ظروف مناسبة رأس السنة الميلادية كي يأخذوا منه التوقيع على قيام القوات الأميركية بعملية الاغتيال الإرهابية للشهيد الفريق قاسم سليماني وأصدقائه! يؤكد المحللون أنه لا يمكن إنكار دور بنيامين نتنياهو في التحريض على أخذ هذا التوقيع من ترامب عبر مايك بومبيو، لأن نتنياهو كان يتمنى أن يتجرأ على القيام بهكذا عمل، ولكنه كان دوماً يحسب ألف حساب له. بالتأكيد، فإن ترامب عندما استفاق وانتبه إلى ما فعله فهم أنه ارتكب خطأً استراتيجياً كبيراً سوف يؤدي إلى خسارته كلّ منطقة الشرق الأوسط، لأنه يعلم أن سليماني الشهيد هو أشدّ خطورة على الولايات المتحدة والجنود الأميركيين في هذه المنطقة من سليماني الحيّ.
فما لا يفهمه ترامب هو أنه إذا ما كان يلعب القمار، فإن الإيرانيين يلعبون الشطرنج، وهم لا يسمحون لأحد بأن يجرّهم إلى اللعبة التي يريدها، بل هم حسب المقولة العامية: «يُتكتكون على ذوقهم». بدأ الإيرانيون يحضّرون سيناريوات الردّ اللازمة التي يجب عليهم أن يتخذوها لتوجيه ضربة للأميركي، وخاصة شخص ترامب، يما يؤدي إلى ارتفاع صراخه من واشنطن إلى الشرق الأوسط. وبما أن سليماني كان يمثل رمزاً وكان بطلاً قومياً إيرانياً، فالردّ على اغتياله بالمستوى نفسه كان يحتاج الى اغتيال بطل قومي أميركي، ليس موجوداً إلا على شاشات «هوليوود». وبعد تفكير طويل واجتماعات، اتفق الجميع على أن الثمن الوحيد الذي يمكن أن يشفي غليل الإيرانيين هو إخراج الأميركيين من العراق والمنطقة، إحدى الأمنيات التي كان سليماني يصبو إليها.
قام الإيرانيون بتدوين ما بين 13 و20 خطوة يجب أن يتخذوها لإخراج الأميركيين، ومن ثم قاموا بترتيبها حسب الأولوية:
ــــ الأولى، كسر هيبة الأميركيين والإعلان رسمياً أن إيران أيضاً لم تعد تحترم أيّ خط أحمر بين الجانبين. مهاجمة القواعد الأميركية في العراق، وتدمير المكان الذي انطلقت منه الطائرة الأميركية لاستهداف موكب الشهيد سليماني كان أول ما يجب فعله. وعلى هذا الأساس، قامت إيران بمهاجمة قاعدة عين الأسد وقاعدة أربيل. بهذه العملية، استطاعت أن ترسل رسالة إلى جميع دول المنطقة التي تحتضن القواعد الأميركية، أساسها أن أيّ هجوم يمكن أن تتعرّض له إيران من قواعد أميركية تستضيفها تلك الدول سوف يؤدي إلى ردّ إيراني مباشر على الأخيرة، وأن القواعد الأميركية في أيّ مكان في المنطقة ليست مستثناة من ذلك، وأن إيران سوف تقوم بالردّ حتى لو كانت الدول المشار إليها على علاقة سياسية جيدة معها. وإضافة إلى ما تقدّم، تم إفهام الأميركيين أن وجودهم في المنطقة لم يعد آمناً، وأن عليهم الخروج منها بأسرع ما يمكن.

قام الإيرانيون بتدوين ما بين 13 و20 خطوة يجب أن يتخذوها لإخراج الأميركيين


ــــ الثاني، كسر الهاجس العالمي الذي كان موجوداً منذ الحرب العالمية الثانية، ومحوره أن لا أحد يستطيع استهداف قواعد يوجد فيها أميركيون من دون أن يتحمّل ضربة مقابلة كبيرة، الأمر الذي كان يجعل جميع الدول تتحمّل لدغات الأميركيين وتسكت على الوجع من دون رد. بهذه العملية، كسرت إيران القاعدة التي كانت مرسومة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأفهمت الأميركيين أنهم لا يستطيعون مهاجمة إيران والتصوّر أنهم لن يتلقوا الردّ.
ــــ الثالث، إفهام الأميركيين وحلفائهم في المنطقة أن الأسلحة الأميركية التي لا تستطيع أن تحمي الجنود الأميركيين لن تستطيع حماية هذه الدول، وأن الصواريخ الإيرانية قادرة على العبور من جميع الدفاعات الجوية الأميركية واستهداف أهدافها بدقة عالية من دون أن يتمّ اعتراضها.
إذا ما ركّزنا على ما جاء على لسان المرشد علي خامنئي بعد هذه العملية، فإن الأخيرة تُعدّ أول صفعة للخدّ الأميركي، ويبدو أن ترامب تلقّاها وأدار الجهة الثانية من وجهه لأنه فهم أن الموضوع أكبر وأعقد مما كان يتصوّر. تؤكد تصرفات ترامب وخطابه بعد العملية أنه تراجع كثيراً عن الخطوات التصعيدية التي كان قد لوّح بها، ولو أنه لا يمكن التنبّؤ بتصرفاته. من جهة أخرى، فإن الإيرانيين لن يهدأوا قبل إخراج القوات الأميركية من المنطقة، وهم سيتخذون في هذا السبيل خطوات أخرى على أساس الاستراتيجية الجديدة، التي يبدو أن جميع السيناريوات فيها ستكون مطروحة على الطاولة.
الغدر بتخطّي الخطوط الحمر: مهمّتان كان يحملهما سليماني
بينما كانت الولايات المتحدة تقصف مقارّ الحشد الشعبي بين الفينة والأخرى، وخاصة عندما كان «الحشد» يتقدّم بسرعة باتجاه «داعش»، كانت دوماً تعتذر وتعلن أن القصف تمّ عن طريق الخطأ، وبسبب عدم وجود تنسيق بين «الحشد» والطيران الأميركي، أو حتى تنسب الهجوم إلى طائرات مجهولة الهوية، لأنها كانت تعلم أنها لا يمكنها تخطّي الخطوط الحمر المرسومة بين إيران والولايات المتحدة بشكل غير رسمي منذ عام 2003. مهاجمة قواعد «الحشد» علناً، وإعلان المسؤولية عنها من قِبَل الأميركيين منذ حوالى الأسبوعين، مثّل أول خطوة قامت بها الولايات المتحدة لتخطّي تلك الخطوط الحمر بشكل رسمي. بدأت الوساطات للجم الموضوع بشكل سريع، وعندما تبيّن للأميركيين أنهم يمكنهم الهروب من فعلتهم قاموا بالتحضير للضربة الثانية.
رئيس الوزراء العراقي المستقيل، عادل عبد المهدي، كان قد طلب من الإيرانيين إرسال الشهيد الفريق قاسم سليماني إلى العراق للمساعدة في ضبط الظروف العصيبة التي كان العراق يواجهها بسبب الهجوم الأميركي على مقارّ «الحشد» الشعبي. وبالفعل، حمل سليماني رسالة من القيادة الإيرانية جواباً على مقترح عبد المهدي للوساطة بين إيران والسعودية. سافر سليماني إلى العراق بشكل رسمي حاملاً جواز سفر دبلوماسياً، وداخلاً بغداد عبر مطارها الدولي وبطائرة مدنية. إيران كانت واثقة من أن الأميركيين على علم بموضوع سفر سليماني، لأنهم سيطروا على الأجواء العراقية ما بعد الحوادث التي شهدتها السفارة الأميركية في بغداد، وأن إحدى الشركات البريطانية هي المسؤولة عن ترتيب أمور مطار بغداد الدولي. لكن، وبما أن هناك خطوطاً حمراً مرسومة بين الطرفين، لم يتخوّف الإيرانيون من احتمالية تجرؤ الأميركيين على الاعتداء على سليماني. ومع ذلك، استخدم الأميركيون سلاح الغدر لتنفيذ الاغتيال.
سليماني لم يكن يعتبر بطلاً قومياً إيرانياً فحسب، بل كان بطلاً لجبهة المقاومة أيضاً. وبالطبع، فإن خسارته خسارة كبيرة لإيران ولحرسها الثوري. ولكن، على أيّ حال، فإن سليماني كان يمثل «الحرس» وإيران، وعلى الرغم من استشهاده، بحسب أمنيته، إلا أن تعيين خليفة له لم يحتج من القائد العام للقوات المسلحة الإيرانية، آية الله علي خامنئي، الى أكثر من ستّ ساعات، ليثبت للأميركيين أن سليماني يمكن أن يكون قد رحل، ولكن إيران والحرس الثوري لا يزالان موجودين.