لم يكد مجلس النواب الأميركي يتمكّن من تمرير مشروعٍ يمنع الرئيس من الدخول في أعمال عسكرية مع إيران، حتى طفت على السطح انتقادات كثيرة لصيغته، وصلت إلى حدّ تجريده من قانونيّته، وحصر قيمته في النطاق الرمزي فقط. صورياً، تمكّن النوّاب من تحقيق فوز تمثّل في استعادتهم دوراً «مجازياً» للكونغرس في قرارات شنّ الحروب، بعدما كان الديمقراطيون قد اقترحوا نصّاً يضع حدّاً لاستخدام القوات المسلّحة الأميركية في أعمال عدائية في إيران أو ضدّها أو ضدّ حكومتها أو جيشها، وذلك على إثر الضربة الأميركية التي اغتالت قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، والتي زادت مخاطر اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران. وصوّت 224 نائباً لمصلحة القرار الذي يُطالب الرئيس بعدم الإقدام على أيّ عمل عسكري ضدّ إيران من دون موافقة الكونغرس، فيما عارضه 194، علماً أن ثلاثة نواب جمهوريين أيّدوه، بينما رفضه ثمانية نواب ديمقراطيين.

وأطلق تصويت مجلس النواب نقاشاً حادّاً حول نقطتين أساسيتين: الأولى، أن النصّ الذي تمّ التصويت عليه يستند إلى «قانون سلطات الحرب» الذي أُقرّ عام 1973 لمنع الرئيس من شنّ حرب ما لم يَنل موافقة الكونغرس، وذلك بعد الحربين الطويلتين اللتين خاضتهما الولايات المتحدة في كلّ من كوريا وفيتنام. وقد كان الهدف من القانون المذكور تأكيد دور الكونغرس المنصوص عليه في المادة الأولى من الدستور، والتي تمنحه السلطة لإعلان الحرب، بينما تجعل المادة الثانية من الرئيس قائداً للقوات المسلّحة. ووفقاً لقانون 1973، فإنه يجب على الرئيس إخطار الكونغرس عند إدخال الجيش الأميركي في قتال، ليحظى بفترة 60 يوماً، يحصل خلالها على موافقة السلطة التشريعية على مواصلة هذه الأعمال، مع احتمال تمديد الفترة ثلاثين يوماً. وعلى الرغم من أنه في العقود التي تلت إقراره، أخطر الرؤساء الكونغرس بأنهم دخلوا في أعمال عسكرية أكثر من 160 مرة، إلا أن المشرّعين فشلوا على نحو متكرّر في ممارسة الصلاحيات الكاملة التي منحوها لأنفسهم، سواءً لناحية السماح أم لمنع استخدام القوة العسكرية. ولم يتمكّن الكونغرس، ولا مرّة، من استخدام القانون لمنع الرئيس من القيام بأعمال عسكرية، بما فيها بعض العمليات الموسّعة والطويلة الأمد. وفي مقابل ذلك، وافق الكونغرس أربع مرات فقط على منح الرئيس السلطة لاستخدام القوة العسكرية، في لبنان عام 1983، وفي الخليج عام 1991، ومرّتين بعد هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

على الرغم من أن القرار قد يمرّ عبر مجلس الشيوخ إلا أنه لن يصبح قانوناً لأنه لن يحمل توقيع الرئيس


هذا الفشل يُرجعه البعض إلى عدم وجود إرادة لدى الكونغرس لكبح السلطة التنفيذية، الأمر الذي كان واضحاً خلال الأعوام الـ18 الماضية. فبعدما سمح المشرّعون باستخدام القوة العسكرية ضدّ «القاعدة» على إثر هجمات 11 أيلول / سبتمبر، واصل الرؤساء الاعتماد على الصلاحيات ذاتها من أجل القيام بأعمال عسكرية أخرى. إذ استخدم الرئيس باراك أوباما القرار الصادر عام 2001 لتبرير الدخول في الحرب على ليبيا، ومن ثم للقيام بالضربات عبر الطائرات من دون طيار في باكستان واليمن. أما الرئيس دونالد ترامب فقد استخدم تلك الصلاحيات من أجل تبرير الأعمال العسكرية في سوريا، كما استخدم قراراً صادراً عام 2002 لتبرير أعماله العسكرية الأخيرة ضدّ إيران. جاء ذلك فيما فشلت كلّ جهود الكونغرس (عن عمد أو غير عمد) لتعديل، أو استبدال، أو حتى سحب القرار الصادر عام 2001. وأقرب مثال على ما تقّدم، هو الفيتو الذي استخدمه ترامب ضدّ مشروع القانون الذي مرّره الكونغرس بصيغة مشتركة العام الماضي، والذي طلب فيه خروج الولايات المتحدة من الحرب التي تشنّها السعودية على اليمن.
أما النقطة الثانية من النقاش الدائر حالياً فهي أن القرار الجديد لا يعدو كونه مجرّد تسجيل موقف رمزي وسياسي ضدّ ترامب. إذ على الرغم من أنه قد يمرّ عبر مجلس الشيوخ، إلا أنه لن يحمل قوة القانون، لأن الصيغة التي قُدّم على أساسها (concurrent resolution) تقضي بأن لا يجري التوقيع عليه من قِبَل الرئيس. ويستند المشكّكون في قانونية ما تمّ التصويت عليه أمس إلى الحكم الصادر عن المحكمة العليا عام 1983، والذي قضى بأنه «كي يكون هناك تأثير قانوني، يجب على قرار الكونغرس أن يُقدّم للرئيس لينال توقيعه، أو كي يستخدم الفيتو ضدّه». كلّ ذلك لم يمنع رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، من الإصرار على أن الإجراء الأخير قد يكون له تأثير قانوني، من دون أن توضح الأساس الذي تستند إليه. إلا أنها، في الوقت نفسه، أوضحت السبب وراء الذهاب في اتجاه هكذا قرارات غير ملزمة، بالقول: «نحن نتّخذ هذا المسار لأنه لا يتطلّب توقيع الرئيس»، مضيفة: «هذا بيان صادر عن الكونغرس، ولن أقبل بأن يجري تقييمه بناءً على ما إذا كان الرئيس سيستخدم الفيتو عليه أو لا». من جهته، رفض زعيم الأقلية في مجلس النواب الجمهوري، كيفن مكارثي، تأكيد كلام بيلوسي عن قانونية القرار. وقال: «هذا نوع من مشاريع القوانين التي نستخدمها من أجل استدعاء أحدهم إلى الكونغرس». وعليه، رأى مكارثي أن «تصويت الأمس من دون معنى، يرسل فقط الرسالات الخاطئة».
يُذكر، أخيراً، أن السيناتور الديمقراطي، تيم كاين، يعتزم طرح مشروع قانون مشترك أوائل الأسبوع المقبل، يمنع الرئيس من إدخال الجيش الأميركي في حرب ضدّ إيران. مشروعٌ يمكن أن يصبح قانوناً في حال مُرّر في مجلسَي النواب والشيوخ، ثمّ وقّع عليه الرئيس. لكن الاحتمال الأكبر هو أن يستخدم ترامب الفيتو ضدّه، وأن لا تتمكّن أيّ من غرفتَي الكونغرس من تخطّي هذا الفيتو، لصعوبة الحصول على ثلثَي الأصوات خلال عام انتخابي.