قالت إيران كلمتها بوجه العدوان الأميركي والتصعيد الأمني باغتيال القائد أبو مهدي المهندس والجنرال قاسم سليماني ورفاقهما، بالردّ العسكري عبر الغارة الصاروخية على قاعدتَي أربيل وعين الأسد. في السياسة، كذلك الحال، فتحت الجمهورية الإسلامية مواجهتها، سواءً بإعلانها الدعم الصريح لمعركة إخراج الأميركيين من المنطقة، أو التنصّل من أهم القيود المنصوص عليها في الاتفاق النووي، من دون التجاوب مع الوساطات العربية والغربية النشطة الآن بهدف التهدئة. الدور يأتي الآن على حركات محور المقاومة في المنطقة، والتي ستعبّر عن توجّهها الجديد في المرحلة المقبلة بخطاب صريح وبرنامج عمل.

هذا الدور يتوزّع على جبهتين. الأولى، الجبهة السياسية، وهو ما بدأ يظهر في العراق مع إصرار حكومة عادل عبد المهدي على تنفيذ قرار البرلمان بانسحاب القوات الأجنبية، من خلال تقديم طلب رسمي للولايات المتحدة لوضع آلية لسحب قواتها. وقد حظي قرار الحكومة والبرلمان، أمس، بجرعة دعم من المرجعية الدينية في النجف، والتي شدد ممثلها في خطبة الجمعة على أن لا دور لـ«الغرباء» في قرارات العراق. الثانية، هو العمل الأمني والعسكري ضد الوجود الأميركي العسكري في المنطقة، والذي لا يمكن التكهّن بقرار تصاعده وتوسّعه ومدياته الزمنية، وإن كان انسداد أفق إخراج الأميركيين من العراق بواسطة التحرّك السياسي والدبلوماسي سيعزز خيارات فصائل المقاومة.
على المقلب الأميركي، يسعى الرئيس دونالد ترامب في استثمار عملية اغتيال سليماني داخلياً وخارجياً، عبر تعديل رواياته وتضخيمها حدّ تأكيد أنباء أن سليماني كان يريد تفجير سفارة بغداد بجانب 3 سفارات أخرى. أما باتجاه إيران، فأعلنت الحكومة الأميركية ردّها على قصف قاعدتَيها بفرض عقوبات إضافية طالت ثمانية مسؤولين، بينهم الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي شمخاني، ورئيس هيئة الأركان العامة العميد محمد رضا أشتياني، وقائد «الباسيج» غلام رضا سليماني. بالإضافة إلى 17 شركة للتعدين وإنتاج الصلب والألمنيوم.
وفيما رفضت إدارة ترامب طلب العراق الانسحاب، فإنها تواصل محاولة إقناع «الناتو» بالاضطلاع بدور أكبر. وبين الأهداف الداخلية والخارجية، رمى ترامب بموقفه الموارب حول العراق أمس، حين قال «لا مشكلة لديّ في الانسحاب»، لكنه أضاف: «القادة العراقيون لا يطلبون ذلك في المحادثات الخاصة»، وكأن «شرعية» بقائه تتعلق بنوايا عملائه لا بقرارات البرلمان والحكومة! بما يؤكّد أن الأميركيين ذاهبون لتحمّل كلفة البقاء، فيما خطاب الاستعداد للانسحاب لا يعدو كونه يتعلّق بحسابات ترامب الداخلية، مثله مثل عبارة «إعادة التموضع» التي بدأ يروّج لها الأميركيون في العراق فقط لتمرير المشهد الصاخب وتجنّب السخط الرسمي والشعبي وتحييد جنودهم.