شهد «المنتدى الاقتصادي العالمي» نقاشاً حادّاً حول مآلات الحرب التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة اللتين وقّعتا للتوّ هدنةً تجارية. هدنةٌ لا يبدو أنها ستنسحب على «العداوة» التكنولوجية الآخذة في الاتساع بين البلدين، على خلفية تكنولوجيا الجيل الخامس، والشرائح الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي. في دافوس، ولدى إجابته عن أسئلة في هذا السياق، أشار مؤسّس شركة الاتصالات الصينية العملاقة، «هواوي»، رن تشينغ فاي، إلى «عالم في صدد التوحُّد (تكنولوجياً)» بعدما صار «كلّ شيء مترابطاً».

الاتفاق التجاري المرحلي، المُوقَّع أخيراً بين بكين وواشنطن، لم يوقف التصعيد الأميركي في وجه عملاق الاتصالات الصيني، الأبرز في مجال تكنولوجيا الجيل الخامس. على هذه الخلفية، تعرّضت شركة «هواوي» لمنع نشاطها في الولايات المتحدة بحجة «مخاطر استخدام» بكين للشركة في «التجسّس». كما شجّعت واشنطن حلفاءها الأوروبيين على أن يحذوا حذوها بإقصاء شبكات المجموعة الصينية. تشجيعٌ شمل ضغوطاً مارستها أميركا على حليفتها الفرنسية لحملِها على اتّخاذ «إجراءات أمنية قوية» ضدّ اختراقات محتملة قد تتيحها شبكات الجيل الخامس التي تطوّرها «هواوي»، وتحذيرها إياها من أن عدم القيام بذلك ربما يؤثّر على التبادلات الاستخبارية بينهما. هذه المخاوف تصدّرت جدول أعمال الاجتماع الثالث الأميركي ــــ الفرنسي حول الأمن السيبيري، وفق ما أفاد به الدبلوماسي الأميركي، روبرت ستراير، الصحافيين في باريس، حيث قال إن بلاده لم تطلب من فرنسا مقاطعة «هواوي»، إنما دعتها إلى اتخاذ إجراءات حماية قوية ضدّ «اختراقات خبيثة» ناتجة من تحديثات برامج الأنظمة التي تقدّمها الشركة الصينية. أما إذا قرّرت فرنسا عدم الأخذ بالنصيحة الأميركية، فستضطرّ الولايات المتحدة، مرغمةً، إلى «إعادة تقييم كيفية إجراء العمليات» التي تتطلّب تبادل «معلومات حسّاسة»، مثل التدريبات العسكرية المشتركة وعمليات مكافحة الإرهاب. يدّعي الأميركيون وجود «خطر حقيقي» يتمثّل في «شبكات جيل خامس غير آمنة تأتي من شركات غير موثوقة»، قد «تعرّض البيانات التي نودّ مشاركتها مع الشركاء للاختراق»، وخصوصاً الشركاء في «حلف شمالي الأطلسي»، وبينهم فرنسا وألمانيا. وفيما تقاوم برلين الضغوط الأميركية، تؤكّد باريس أنها ليست في صدد حظر عمل الشركة. بيد أن سترايبر كان أكثر وضوحاً حين قال الشيء وعكسه: «نحن لا نطلب فرض حظر معيّن»، بل «نقول تبنّوا النوع الصحيح من التدابير الأمنية الذي سيحمي مواطنيكم ومصالحكم الاقتصادية على المدى الطويل ضدّ شركات مثل هواوي التي تخضع لسيطرة حكومات استبدادية». تدابير تعني، بالمفهوم الأميركي، «الاستعانة» بشركات أخرى جاهزة لتقديم خدمات الجيل الخامس مثل «نوكيا» و«إريكسون» و«سامسونغ»، وهذا طبعاً، إن حصل، لن يؤخّر الحلفاء على الالتحاق بالتكنولوجيا الجديدة، وخصوصاً أن «استبدال جميع معدّات الشركة الصينية في أوروبا سيكلِّف 3.5 مليارات دولار»، والإشارة لسترايبر.

فيما تقاوم برلين الضغوط الأميركية، تؤكّد باريس أنها لن تحظر عمل «هواوي»


الضغوط الآنفة، والدعوة الصريحة إلى مقاطعة «هواوي»، ترافقت مع تهديدات أميركية، تولّاها هذه المرّة الرئيس دونالد ترامب، بفرض رسوم جمركية عالية على صادرات الاتحاد الأوروبي من السيارات. وقال في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي» الأميركية على هامش «منتدى دافوس»: «لقد استفادوا من بلدنا على مدى سنوات عديدة»، و«إذا لم نتوصّل إلى شيء ما (اتفاق تجاري)، فسأتخذ إجراءات، وستكون عبارة عن ضرائب مرتفعة جداً على سياراتهم ومنتجاتهم الأخرى (المصدرة) إلى بلدنا». واعتبر ترامب، الذي التقى الثلاثاء رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين في دافوس بهدف التحضير لمفاوضات حول «اتفاق تجاري» ثنائي، أن «الأمر بسيط للغاية»، موضحاً في مقابلة أخرى مع «فوكس نيوز» أنه «إذا لم نتمكّن من التوصّل إلى اتفاق تجاري (مع الاتحاد الأوروبي)، فسنفرض ضريبة بنسبة 25% على سياراتهم».
في عام 2018، كانت شركة معدّات الاتصالات «زي تي اي»، وهي عملاق صيني آخر في مجال تكنولوجيا الجيل الخامس، على وشك الاندثار لعجزها عن توفير مكونات أميركية بعد المنع الذي فرضته إدارة ترامب، والذي رُفع أخيراً. وأظهرت الأزمة، التي مثّلت صدمة للشركة، التبعية الكبيرة للعملاق الآسيوي تجاه الشرائح الإلكترونية الأميركية. لكن «هواوي» عملت تحت الضغوط على تطوير شرائحها الخاصة، ولا يشمل نموذجها الجديد «30 برو» أيّ مكوّن أميركي. وعلى رغم تضرّر شركة «كوالكوم» الأميركية العملاقة المختصّة في صناعة المكونات الإلكترونية من العقوبات على «هواوي»، إلا أنها عملت على كسب الوقت، وأكد رئيسها، كريستيانو أمون، أنه «في ذروة التوتّر التجاري، تزايدت أعداد زبائننا في الصين، بفضل شركات مصنعة للهواتف مثل شيومي وأوبو» اللتين تطوّرتا على المستوى العالمي.