تطرح زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الأولى لأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، المنطقة الوحيدة في العالم التي لم يَزُرها بعد، الكثير مِن التساؤلات، إنْ كان لجهة توقيتها أو أهدافها أو الرسائل الأميركية المُراد إيصالها منها، أو حتى البلدان المُدرجة في جدول أعمالها، والذي يمتدّ لخمسة أيام بدأت السبت وتُختَتم اليوم. لناحية الأهداف، تسعى واشنطن إلى ترسيخ التعاون الاقتصادي للوقوف في وجه التوسّع الصيني في قارة تشهد نسب نموّ عالية، بينما تأتي الجولة التي شملت ثلاث دول حليفة لأميركا هي: السنغال، أنغولا وإثيوبيا، في وقت تعتزم فيه الولايات المتحدة خفض عديد قوّاتها البالغ ستة آلاف جندي موجودين خصوصاً في الساحل الصحراوي والصومال وجيبوتي، لمصلحة تحويل هذه الموارد نحو مواجهة روسيا والصين.

وجرى اختيار المحطات الثلاث هذه لـ«مساهمتها بشكل كبير في استقرار المنطقة»، ولأن «لديها قادة ناشطين»، بحسب مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية، لفت إلى أن النفوذ المتزايد للصين التي استثمرت في القارة الأفريقية في إطار زيادة إنفاقها في مجال البنى التحتية في العالم، يشكِّل الموضوع الرئيسي لهذه الزيارة. واستثمرت الصين في أنغولا التي راكمت ديوناً تقارب 25 مليار دولار لبكين، وستسدّد البلاد هذا المبلغ مِن خلال شحنات نفط. لكن الولايات المتحدة، التي تخشى التوسّع الصيني، حذّرت البلدان النامية من غريمتها، لأن تمويل مشاريع كبيرة قد يتحوّل إلى «ديون طائلة»، وقدّمت عرضاً لهذه الدول: القطاع الخاص الأميركي كـ«بديل». في هذا الإطار، أشارت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن الدول الثلاث «مثيرة للاهتمام بشكل خاص» في ما يتعلّق بالفرص الاقتصادية. لكن بومبيو لخّص المقاربة الأميركية على النحو الآتي: النموّ والأمن «يخدم أحدهما الآخر». برغم ذلك، استُبقت الزيارة بإشارات دعم متذبذبة نقلتها واشنطن، تساوقت مع إعلان وزارة الدفاع، «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، تقليص الوجود العسكري الأميركي في القارة، ضمن خطة إعادة التموضع الأميركية تأسيساً لمرحلةٍ تُركّز فيها الولايات المتحدة على الصين وروسيا وإيران. ويقول دبلوماسي أميركي سابق: «لا نفهم لماذا يقوم بهذه الزيارة الآن، وما إذا كان ذلك جزءاً من استراتيجية أكثر شمولاً للولايات المتحدة في أفريقيا، في حين أن الإدارة الأميركية أعلنت منذ بضعة أسابيع نيّتها خفض استثماراتها في المجال الأمني ومساعداتها» في المنطقة، قبل أن يضيف: «لا يمكن أن ننسّق سياسة لأفريقيا خلال زيارة لبضع دول في قارة شاسعة وإطلاق اسم استراتيجية على ذلك».

تسعى واشنطن إلى للوقوف في وجه التوسُّع الصيني


ومِن العاصمة السنغالية، دكار، أكّد بومبيو، الأحد، أن بلاده ستحرص على القيام «بما يجب» بالشراكة مع حلفائها في ما يتعلّق بقرار تقليص حضورها العسكري في أفريقيا، ولا سيما في منطقة الساحل، لكنه امتنع عن تقديم أيّ التزام، تاركاً الخيارات مفتوحة حول موضوع تقليص عديد القوات الأميركية المقاتلة في أفريقيا، والذي يتمّ درسه حالياً في واشنطن. كذلك، شارك الوزير في توقيع خمس مذكرات تفاهم لبناء طريق سريع بين دكار وسان لويس، وفي مجال الصحة وإنتاج الكهرباء. ومن «محاربة الإرهاب» إلى مكافحة الفساد، أشاد الوزير الأميركي، أول من أمس، في لواندا بحملة «مكافحة الفساد» التي يقوم بها الرئيس الأنغولي جواو لورينسو، وخصوصاً ضدّ سلفه جوزيه إدواردو دوس سانتوس (1979 ــــ 2017) المتّهم باستغلال اقتصاد بلاده ــــ وهي إحدى الدول الأفقر في العالم ــــ لمنافع شخصية. وقال بومبيو: «خلال عامين ونصف عام في الحكم، قام الرئيس لورينسو بعمل رائع لجعل (الفساد) شبحاً من الماضي»، معرباً عن «تفاؤله» بالجهود التي تقوم بها الحكومة الأنغولية لناحية خصخصة 195 شركة حكومية، في قرار اعتبر أنه «سيستقطب كثيراً الاستثمارات الخاصة». وفي محطته الإثيوبية الأخيرة، اجتمع الضيف الأميركي برئيس الوزراء آبي أحمد، حيث تتوسّط الولايات المتحدة بين إثيوبيا ومصر في شأن سدّ النهضة.