على بعد أقلّ من أسبوعين من انتخابات هي الثالثة في غضون أقلّ من عام واحد لـ«الكنيست» الإسرائيلي، لا تَظهر مؤشرات إلى إمكانية انحسام الأمور في الجولة الانتخابية المقبلة. ولذا، يعود شبح الانتخابات الرابعة ليخيّم على مجمل الوضع الداخلي، مُظهّراً التنافر في تركيبة إسرائيل الاجتماعية. وفقاً لاستطلاعات الرأي، التي تبدو نتائجها شبه مستقرة منذ الإعلان عن موعد الانتخابات، يفوز حزب «أزرق أبيض» بـ 34 مقعداً، مقابل 33 مقعداً لحزب «الليكود». أما في ما يتعلّق ببقية الكتل، فلا يبدو أن ثمة تغييرات مؤثّرة في تقاسم المقاعد؛ إذ تفوز كتلة الأحزاب اليمينية و«الحريديم» بـ 56 مقعداً، مقابل 57 لكتلة أحزاب الوسط واليسار، إضافة إلى «القائمة العربية». وبخصوص حزب «إسرائيل بيتنا» برئاسة وزير الأمن السابق أفيغدور ليبرمان، تشير الاستطلاعات إلى أنه سيحافظ على وضعه كـ«بيضة القبان» بسبعة مقاعد.

التغيير، في حال حدوثه، سيقتصر فقط على انتقال مقاعد بين أحزاب الكتلة الواحدة، وتحديداً الكتلة اليمينية. هذا ما يمكن استشفافه من الحملات المتبادلة بين حزب «الليكود» وتكتل الأحزاب الدينية الصهيونية الذي يمثله وزير الأمن في الحكومة الحالية، نفتالي بينت. ووفقاً للتوقعات، ستكون نتيجة تلك الحملات تعزيز مقاعد «الليكود» على حساب مقاعد الأحزاب اليمينية الأخرى، من دون تعديل في الميزان العام بين كتلتَي اليمين والوسط واليسار. بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إن حصيلة الانتخابات المقبلة ستكون مستنسخة من حصيلة العمليتين الانتخابيتين السابقتين، ما يعني أن معضلات التكليف والتأليف ستظلّ على حالها. والظاهر أن لا رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ولا زعيم «أزرق أبيض» بيني غانتس، يعتقد بأن كتلته يمكنها الفوز بـ 61 مقعداً، أي أغلبية مقاعد «الكنيست». لكن مع ذلك، هما يعملان على سحب ما أمكن من مقاعد، وإن محدودة، من الكتلة المنافسة، لتصعيب أيّ ائتلاف نظري قد تلجأ إليه الأخيرة لتحقيق الأغلبية، إضافة إلى هدف أساسي آخر وهو رفع نسبة إقبال الناخبين في معسكرهما؛ إذ يخشى كلّ من اليمين واليسار من إمكانية انكفاء الناخبين هذه المرة، مع ما يعنيه الأمر من انعكاسات سلبية عليهما.

الأزمة السياسيّة في إسرائيل وليدة جملة من العوامل، من بينها عوامل غير ظرفيّة


إزاء ذلك، لا يمكن الجزم بما إذا كانت الانتخابات المرتقبة في الثاني من آذار/ مارس المقبل هي الأخيرة، أو أن إسرائيل ستكون أمام سيناريو انتخابات رابعة، علماً بأن كلّ ما يساق من أسباب موجبة لمنع هذا السيناريو قيلت أيضاً عقب انتخابات نيسان/ أبريل 2019، لكن عملياً خابت كلّ التوقعات بتوصّل الأفرقاء إلى ائتلاف تسووي، وإن قبل دقائق من إقرار التوجّه إلى انتخابات مبكرة. اللافت هذه المرة هو تراجع الاهتمام بالانتخابات الثالثة، سواء لدى الإعلام أو لدى الجمهور الإسرائيلي نفسه، خلافاً للعمليتَين الانتخابيتَين السابقتين، الأمر الذي من شأنه أن يفضي إلى مفاجآت، تعمل الكتل على تجنّبها. وتبرز اللامبالاة في أعقاب تطورات دراماتيكية في المشهد الإسرائيلي العام، كان يفترض أن تَقلب مزاج الناخبين لو أن العملية الانتخابية لا يسمها التكرار والمراوحة واختلاف البرامج السياسية شبه المقتصرة على الشخصانية. ومن هنا، يمكن فهم ثبات نتائج استطلاعات الرأي، على رغم إعلان «صفقة القرن» التي راهن نتنياهو واليمين على مفاعيلها، وأيضاً استعراض النجاحات في تعزيز العلاقات مع الأنظمة العربية وغيرها.
الواضح أن الأزمة السياسية في إسرائيل وليدة جملة من العوامل، ومن بينها عوامل غير ظرفية لا ترتبط بتطورات الأوضاع الداخلية، بقدر اتصالها بتركيبة النظام السياسي الإسرائيلي الذي استمدّ استقراره وقوته من تركيبة إسرائيل الاجتماعية السابقة التي غلب عليها اللون الواحد، المتمثل في الأشكنازية العلمانية، على حساب الشرائح الأخرى التي شكّلت بمجموعها أقليات صغيرة. أما اليوم، فإن التنامي العددي لهذه الأقليات، وتبعاً له تضخّم تأثيرها السياسي، ظهّرا قصور النظام السياسي عن استيعاب الأزمات، وافتقاره إلى أدوات حلّها، ما مكّن نتنياهو ــــ على فساده ــــ من تجاوز المنظومة وتسخيرها لمصلحته الشخصية.