بوصول لينين مورينو إلى سدة الرئاسة في الإكوادور خلفاً لرافاييل كورّيا، بدأت، عمليّاً، حياكة مؤامرة ستنتهي إلى التخلُّص من عبء ضيف بات جاثماً على أنفاس الرئيس الإكوادوري. مهّد مورينو لقراراه تسليم مؤسّس «ويكيليكس»، جوليان أسانج، بإجراءات قلَبت حياة هذا الأخير إلى ما يشبه الإقامة الجبرية في حدود حركةٍ لا تتجاوز 30 متراً مربّعاً. منتصف نهار الحادي عشر من نيسان/ أبريل 2019، اقتحمت الشرطة البريطانية مقرّ سفارة الإكوادور في لندن لاعتقال مَن كان يتحصّن هناك لسبع سنوات. منذ ذلك التاريخ، بدأت رحلة أسانج مع «الموت البطيء»؛ نُقل إلى سجن بلمارش الذي يخضع لحراسة مشدّدة، وحُكم عليه لاحقاً بالسجن خمسين أسبوعاً لـ«انتهاكه شروط الكفالة البريطانية» بطلبه حقّ اللجوء لدى سفارة كيتو. وبالفعل، مثل للمرّة الأولى أمام محكمة وستمنستر في أيار/ مايو الماضي، للنظر في طلب تسليمه إلى الولايات المتحدة، حيث سيُحَاكم استناداً إلى «قانون التجسُّس» على خلفية نشر «ويكيليكس» آلاف الوثائق والبرقيات الدبلوماسية المصنّفة سرية، ما يمكن أن يفضي إلى سجنه 175 عاماً. وتجنّباً للمساس بـ«حرية التعبير» المقدّسة، اجتازت وزارة العدل الأميركية مسألة «التجسُّس»، واختارت بدلاً من ذلك 18 تهمة من بينهما «التآمر» (مساعدة المحلّلة السابقة لدى الاستخبارات الأميركية تشيلسي مانينغ، في القرصنة لاختراق أجهزة كمبيوتر حكوميّة من أجل سرقة معلومات سريّة تتعلّق بالأمن القومي، والحصول على كلمة السرّ التي تسمح بالوصول إلى آلاف الوثائق المصنّفة معلومات عسكرية سريّة).
النائب البريطاني جون ماكدونيل: «أعتقد أن هذه واحدة من أهمّ وأخطر المحاكمات السياسية»


على هامش استئناف جلسات محكمة وستمنستر لمراجعة طلب تسليم الأسترالي إلى أميركا بعد غدٍ الاثنين، استؤنف الحراك في غير اتجاه، في مسعىً إلى الحؤول دون مضيّ لندن في الخضوع للأوامر الأميركية. حراكٌ تساوق مع مؤشرات إلى عزم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، العفو عن أسانج، باشتراط أن يقدّم هذا الأخير دليلاً يؤكّد عدم تورّط روسيا في تسريب رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهيلاري كلينتون، والتي ساهمت في ضرب مصداقية المرشّحة الديمقراطية خلال مرحلة حاسمة من الحملة الانتخابية في عام 2016. وبرغم نفي البيت الأبيض ما ورد، إلّا أن سلوكاً كهذا ليس غريباً عن ترامب، وخصوصاً أن من شأن إعلان كهذا، في ما لو جرى التأكُّد منه، أن يوجّه الضربة القاضية إلى الديمقراطيين، بعدما ركنوا لفترة طويلة إلى «المؤامرة» الروسية لإطاحة الرئيس. فريق الدفاع عن أسانج تحدّث عن هذا «العرض» أمام القضاء البريطاني خلال جلسة عُقدت الأربعاء، مشيراً إلى وثيقة ذكرت فيها محامية أسانج، جنيفر روبنسون، أن اقتراح ترامب قُدِّم عبر النائب الجمهوري السابق دانا روهرباخر، الذي التقى أسانج وتحدّث عن اقتراح الرئيس «عفواً أو إجراء آخر إذا أكّد أسانج أن لا علاقة لروسيا في تسريبات الحزب الديمقراطي»، وما «إذا كان قادراً على إعطاء أدلّة تشير إلى الجهة التي زوّدته بالبريد الالكتروني».

التعذيب حتى الموت
إزاء الوضع الصحي المُقلق لأسانج، والخشية من أن تؤدّي المعاملة السيئة والتعسفية إلى أن يدفع حياته ثمناً لذلك، نشرت مجموعة تضمّ 117 طبيباً رسالة في مجلة «ذي لانست» الطبيّة البريطانية، تتّهم فيها الحكومة البريطانية بانتهاك الحقّ الأساسي لمؤسّس «ويكيليكس» في الحصول على الرعاية الصحية، استناداً إلى «روايات مروّعة لشهود عيان» خلال مثول أسانج أمام المحكمة في 21 تشرين الأول/ أكتوبر في لندن، وإلى تقرير للمقرّر الخاص للأمم المتحدة حول قضايا التعذيب، نيلس ميلزر، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر. جاء في الرسالة: «إذا مات أسانج في سجن بريطاني»، كما حذّر المقرّر الخاص، «يكون قد تعرّض فعليّاً للتعذيب حتى الموت». ودانوا ما اعتبروه «تسييساً للمبادئ الأساسية للطبّ تتجاوز انعكاساته حالة أسانج»، ودعوا الحكومات إلى إنهاء تعذيبه و«ضمان حصوله على رعاية جيدة قبل فوات الأوان». وفي حين تحدّثت مفوضة حقوق الإنسان في المجلس الأوروبي، دنيا مياتوفيتش، عن قضية أثارت تساؤلات بخصوص حماية الأشخاص الذين ينشرون معلومات سرية للصالح العام وتقع في صلب الصحافة الاستقصائية، اعتبرت منظمة «مراسلون بلا حدود» أن «المعلومات التي نشرها أسانج كانت للمصلحة العامة وليست تجسّساً». ودعت «منظمة العفو الدولية»، السلطات الأميركية إلى إسقاط جميع التهم المتعلقة بالتجسُّس، وغيرها من التهم التي يواجهها أسانج، وفي حالة عد إسقاطها، فإن على السلطات البريطانية «ضمان عدم تسليمه إلى واشنطن حيث سيواجه خطراً حقيقياً يتمثّل في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان». وعلى خلفية شكاوى فريقة القانوني وحراك السجناء في بلمارش، جرى نقل أسانج من الحبس الانفرادي إلى جزء آخر من السجن رفقة 40 سجيناً، وفق ما أكد موقع و«يكيليكس» الثلاثاء. وبعد زيارة النائب البريطاني، جون ماكدونيل، أسانج في بلمارش، أول من أمس، اعتبر أن موقف بريطانيا سيتضرّر كثيراً على المستوى الدولي في حال أصّرت على المضيّ قدماً في إجراءات التسليم. وقال: «أعتقد أن هذه واحدة من أهمّ وأخطر المحاكمات السياسية لهذا الجيل»، بل «أكثر من هذا الجيل... هي الطريقة التي يتعرّض فيها شخص للاضطهاد لأسباب سياسية لمجرّد أنه فضح حقيقة ما حدث في الحروب الأخيرة».