تتّجه واشنطن، وفق المؤشرات الظاهرة إلى الآن، إلى إغلاق كبرى ساحات المواجهة في المنطقة، بعد مضيّ 19 عاماً على حرب طاحنة أفقدت أفغانستان كلّ مقوّمات العيش، فيما لم تُكسِب الولايات المتحدة شيئاً، سوى احتلالٍ آخر تَحوّل مع مرور كلّ هذه السنوات إلى مستنقع ومقبرة لقواتها المنتشرة في طول البلاد وعرضها. وبإغلاق ساحة من هذا الوزن، عبر اتباع سياسة تصفير الأهداف، تصبح واشنطن أمام التزام يقتضي سحباً تدريجياً لقواتها، بعد توقيع اتفاق رسمي مع حركة «طالبان» نهاية الشهر الجاري، مِن شأنه التمهيد لطيّ صفحة الحرب.

ويشكّل تثبيت هدنة موقّتة، تدخل اعتباراً من اليوم حيّز التنفيذ، نقطة تحوّل مركزية في الحرب؛ إذ أنه يشكّل الخطوة الأولى على طريق تنفيذ اتفاق يمهِّد لانسحاب قوات الاحتلال الأميركية من البلاد، ويفترض أن يسمح لأفغانستان برسم مستقبلها. وغداة إشاعة أجواء التهدئة، والحديث المتكرّر عن اكتمال بنود تسوية مبدئية، واستتباع ذلك بإعلان فوز أشرف غني بولاية رئاسية ثانية بعد خمسة أشهر من إجراء الانتخابات، صدر عن كلّ من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، و«طالبان»، بيانان منفصلان أكّدا نية الجانبين توقيع الاتفاق في الدوحة بتاريخ 29 شباط/ فبراير الجاري، بعد هدنة جزئية تستمرّ مدّة أسبوع. هدنةٌ لا يمكن تسميتها، بأيّ حال من الأحوال، «وقفاً لإطلاق النار»، وفق قيادي في الحركة نفى ما تشيعه واشنطن، مؤكداً الحقّ في الدفاع عن النفس متى لزم الأمر، فيما قال المسؤول الأميركي إنه «بناءً على تطبيق ناجح لهذا التفاهم، يُتوقّع أن يمضي التوقيع على الاتفاق قُدماً»، على أن يتبعه «بعد وقت قصير» بدء المفاوضات بين «طالبان» وحكومة كابول، وهو بندٌ رئيس آخر مِن بنود الاتفاق. وبناءً على هذه «الخطوة الأساسية»، سيتوصّل الطرفان إلى «وقف شامل ودائم لإطلاق النار، وخريطة طريق سياسية مستقبلية لأفغانستان». بالنسبة إلى واشنطن، فإن «خفض العنف» سيُظهر حسن النية لدى «طالبان» قبيل أيّ توقيع من شأنه أن يفضي، في مرحلته الأولى، إلى سحب «البنتاغون» نحو خمسة آلاف من قوّاته البالغ عديدها نحو 13 ألف جندي، على أن تُغادر القوات المتبقة خلال ثلاث إلى خمس سنوات، وفق الإعلام الأميركي، وهي الفترة التي يأمل الرئيس الأميركي أن يمضيها في البيت الأبيض، قبل انتهاء ولايته الثانية في ما لو فاز بانتخابات الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر.

تفتح الهدنة على ولادة اتفاق يمهِّد لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان


من جهتها، ذكرت «طالبان»، في بيان، أن الأطراف المتحاربة ستُخلق «وضعاً أمنياً مناسباً» قبيل التوقيع على الاتفاق. وأشار أحد مصاردها إلى أنه في حال تمّ التوقيع في الـ29 من الجاري، فمن المفترض أن تبدأ المحادثات الأفغانية في العاشر من آذار/ مارس المقبل. واستبق المسؤول الثاني في حركة «طالبان»، سراج الدين حقّاني، الإعلان الرسمي الذي صدر يوم أمس، بنشر مقالة غير مسبوقة في صحيفة «نيويورك تايمز»، أكد فيها التزام الحركة «بالكامل» احترام الاتفاق المزمع توقيعه قريباً. وبعنوان «ما تريده طالبان»، كتب حقّاني الذي يتزعّم شبكة باسمه: «إن تمسّكنا بهذه المحادثات المضطربة مع العدو الذي حاربناه بمرارة على مدى عقدين من الزمن، حتى عندما أمطرت السماء موتاً، يشهد على التزامنا بإنهاء الأعمال العدائية وإحلال السلام في بلدنا». «الجميع فقد عزيزاً عليه. الجميع تعب من الحرب. أنا مقتنع بضرورة انتهاء أعمال القتل والأذى»، أضاف. وإذ أبدى تفاؤلاً في شأن مفاوضات محتملة مع حكومة كابول، قال: «نحن ملتزمون بالعمل مع باقي الأطراف في ظلّ روحية (...) الاحترام الصادق للتوافق على نظام سياسي جديد يشمل الجميع». كما أكد أن الحركة ستمنع مجموعات متطرّفة من اللجوء إلى أفغانستان للضرب خارجها، وهو بند آخر في الاتفاق المرتقب.