كلّ هذه الحرب لم تكن ضرورية أصلاً. متأخّراً توصّل الجانب الأميركي إلى هذه الخلاصة في شأن أفغانستان، بعدما جاء دونالد ترامب إلى الرئاسة بمسعى للحدّ من النفقات الأميركية لتمويل الاقتصاد، العمود الفقري لبرنامجه الانتخابي. فحربُ التريليون دولار يقرأها الرئيس الحالي بالأرقام، وكلّما انخفضت هذه الأرقام، إن كان لجهة قتلى جنود بلاده، أو تمويل حرب العقدَين، كلّما عزّز حظوظه داخلياً للفوز بولاية ثانية. ونتج من الخلاصات المتأخرة بدء مفاوضات بين الأميركيين و«طالبان» تختتم اليوم بتوقيع اتفاق من شأنه أن يمهّد لانسحاب أميركي تدريجي، يختتم بدوره أمّ الحروب الأميركية.

تطوي أفغانستان اليوم فصلاً مِن فصول حرب كانت تبدو أبدية بعدما أوشكت على إتمام عقدَين مِن عمر الغزو الأميركي. غزوٌ كان فاتحة حروب لاحقة، بعناوين اختلفت من مرة إلى أخرى، ولم يأتِ إلا بمزيد مِن الخراب على البلد والمنطقة، باسم الديمقراطية. نجحت واشنطن، إلى حدٍّ بعيد، في تدمير البلاد وإفقارها، وإطاحة «طالبان» مِن سلطة أمسكت بزمامها بين عامَي 1996 و2001، لكن وجودها هناك لـ18 سنة متتالية لم يثمر سوى نكسات متتابعة، حتى بات يُنتخب الرؤساء الأميركيون استناداً إلى وعودٍ مِن قبيل الانسحاب مِن فاتحة الحروب على الإرهاب، أفغانستان. شيئاً فشيئاً، ستدرك واشنطن أن «عدوّها» لن يُقهر، وأن انسحابها - إنْ عقدت العزم عليه جدّياً - سيكون مشروطاً بتهيئة الأرضية لعملائها في كابول. تلقّفت «طالبان» الفرصة، وذهبت قبل نيّف وعام إلى مفاوضات مع الأميركيين حول ترتيب انسحابهم التدريجي مِن البلاد، في مقابل التزام الحركة عدم استهداف المصالح الأميركية انطلاقاً من الأراضي الأفغانية. برعاية قطرية، عُقدت 11 جولة تفاوض سرية ستنتهي اليوم، بعد هدنة لـ«بناء الثقة» تواصلت على مدى أسبوع، إلى توقيع اتفاق سلام، لا تزال الحركة تبدي حذراً إزاءه، إن كان لمعرفتها بالطرف الذي تفاوضه، أو لكون الجدول الزمني لهذا الانسحاب لا يزال ملتبساً، بحسب بنود مُسرّبة من الاتفاق. وبإغلاق الجبهة الأفغانية المفتوحة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2001، بعد أقلّ من شهر مِن اعتداءات 11 أيلول/ سبتمبر، تكون الولايات المتحدة، في حالة التزامها بنود الاتفاق، متّجهة نحو إغلاق كبرى ساحات المواجهة في المنطقة، تجنّباً لاستنزاف إضافي هي في غنى عنه في مرحلة مقبلة، ستُركِّز فيها جهودها على الساحة العراقية، حيث يُحكى عن تسليم «حلف شمال الأطلسي» مهام «التحالف الدولي».

سيحضر وزير الخارجية الأميركي توقيع الاتفاق مع «طالبان» في الدوحة


وبينما تقف أفغانستان على أعتاب مرحلة جديدة عشية توقيع اتفاق من شأنه التمهيد لطيّ صفحة الحرب، فإن ضمانات التطبيق مرهونة بالتزام الجانب الأميركي، المرهون بدوره بوجود دونالد ترامب في السلطة. غير أن حاجة الرئيس المرحلية، تقتضي، راهناً، تسويق إنجاز خارجي لا يزال سجله الحافل يفتقر إليه، قبل التوجّه إلى انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر. تاريخٌ، إن تحقّق فيه فوز ترامب بولاية ثانية، لن يكون بعده كما قبله، وخصوصاً لجهة أنه سيحرِّره مِن مهمة الالتزام بأيّ وعود تجاه ناخبيه. مِن هنا، فإن الجدول الزمني للانسحاب، والذي يبدو أنه سينتهي مع نهاية ولاية الرئيس الثانية، دونه الكثير من علامات الاستفهام. وترامب الذي بات في إمكانه التباهي بأنه الرئيس الأميركي الذي أنهى أطول حرب أميركية على الإطلاق، سيخفّض عديد قوات الاحتلال في أفغانستان في مرحلة أولى مِن حوالى 13 ألفاً حالياً إلى 8600، وهو العدد الذي كان منتشراً أصلاً هناك مع وصوله إلى الرئاسة في عام 2016، قبل تعزيزه بآلاف الجنود. أما الانسحابات المتتابعة، فلن تحدث إلا في حالة التزام «طالبان» بنود الاتفاق، وعلى رأسها مباشرة مفاوضات مع سلطات كابول، سيشرف عليها الأميركيون. مفاوضاتٌ دونها عقبات كثيرة، إذ ستنطلق في خضمّ أزمة سياسية أثارها إعلان فوز أشرف غني بولاية رئاسية ثانية بعد خمسة أشهر على إجراء الانتخابات، ووسط رفض الأميركيين تأييد إعادة انتخابه بشكل مباشر. وأُجبر غني على إرجاء حفل تنصيبه إلى ما بعد توقيع الاتفاق بين «طالبان» والولايات المتحدة بعدما حذّرته واشنطن من السماح للخلاف بينه وبين الرئيس التنفيذي السابق عبد الله عبد الله حول نتيجة الانتخابات، بعرقلة التوصل إلى «اتفاق تاريخي» لا تزال الكثير من بنوده طيّ الكتمان. وهذه ليست إلا عقبة أولى، إذ تضاف إليها كيفية دمج الحركة في العملية السياسية، وأخيراً كيفية تقاسم السلطة معها.
وإذا سار كلّ شيء كما هو مخطّط له، فإن أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، سيحتفل اليوم بنجاح وساطة بلاده، في ذكرى مرور ألف يوم على الأزمة الخليجية. ومِن المتوقع أن يحضر ممثلون عن 30 دولة حفل التوقيع في الدوحة، وسط غياب ممثلين عن الحكومة الأفغانية. لكن وفداً من ستة مسؤولين حكوميين ومسؤول أمني رفيع المستوى اجتمع بأعضاء من حركة «طالبان» في قطر، يوم أمس، لبحث خطة لتبادل الأسرى، قبل إبرام الاتفاق. وبحسب مسؤولين حكوميين في كابول، فإن «التواصل الأولي» كان جزءاً من آلية ضرورية لبناء الثقة بين الأطراف المتحاربة.
ومساءً، حضّ الرئيس الأميركي الشعب الأفغاني على اغتنام الفرصة لمستقبل جديد، معلناً أن وزير خارجيته سيحضر توقيع الاتفاق في الدوحة. وقال ترامب، في بيان: «قريباً، بتوجيهات منّي، سيحضر وزير الخارجية مايك بومبيو توقيع اتفاق مع ممثلي حركة طالبان، في حين سيصدر وزير الدفاع مارك إسبر إعلاناً مشتركاً مع حكومة أفغانستان». وتابع: «في النهاية، سيتوقف الأمر على شعب أفغانستان كي يحدِّد مستقبله. لذا، نحضّ الشعب الأفغاني على اغتنام هذه الفرصة من أجل السلام ومستقبل جديد لبلده»، مضيفاً: «في حال كانت طالبان والحكومة الأفغانية على مستوى الالتزامات، سنمضي قدماً لوضع حدّ للحرب في أفغانستان وإعادة جنودنا إلى الوطن». في هذا الوقت، كان بومبيو يقدِّم شهادة أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، أشار فيها إلى أن الولايات المتحدة تراقب عن كثب «كي نرى إذا ما كانت إيران تقوم بتحرّكات لتقويض جهود إقرار السلام والمصالحة في أفغانستان».