تتّجه الولايات المتحدة نحو الخروج من أفغانستان خالية الوفاض. بعد قرابة 19 عاماً من المجازر والأهوال التي ارتكبتها بحق الشعب الأفغاني، والتي لم تثنه عن مقاومتها ببأس وعناد، بدأت الأمبراطورية العاتية، بقرار من رئيسها، تَحثّ الخطى نحو الانسحاب من هذا البلد. تَعثُّر الاتفاق الذي وَقّعته مع المكتب السياسي لحركة «طالبان» في الدوحة الأسبوع الماضي، لا يُغيّر من ذلك الواقع شيئاً. والحقيقة هي أن غالبية وازنة من بين النخب السياسية والعسكرية اقتنعت منذ زمن بعيد بضرورة الانسحاب من أفغانستان نتيجة لاستحالة الانتصار، لكنّ مزيجاً من الغطرسة الاستعمارية ورفض الإقرار بالهزيمة لِما للأخير من تبعات محتملة على المستقبل السياسي لِمَن يقوم به، حال دون اتخاذ هكذا قرار في الماضي. وحتى اليوم، فإن تسويق قرار الانسحاب يتمّ من خلال ربطه بعملية إعادة تموضع استراتيجية جارية بالفعل على قاعدة الأولويات الجديدة للإدارة الأميركية، وفي مقدّمتها مواجهة الصين وإيران. ما يسقط سهواً كالعادة هو دور المقاومة الشعبية في إفشال مخططات الإمبراطورية، وتعظيم كلفة احتلالها للبلاد. غرقت الولايات المتحدة في حروب «مكافحة الإرهاب»، ونسيت القوى الدولية الصاعدة كالصين وروسيا، وهي تدفع ثمن خياراتها اليوم. قرار الانسحاب من أفغانستان يحظى بإجماع الأطراف المعنيّة بالشؤون الاستراتيجية وبالسياسة الخارجية والأمن في واشنطن، ولكن يغيب أيّ إجماع مماثل حول القضية المركزية بَعدَه: الصين أم إيران؟

في مقال في «فورين أفيرز» خَصّصه لما سمّاه في عنوانه الفرعي «فشل أميركا البطيء في أفغانستان»، رأى كارتر مالكازيان، كبير مستشاري الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأميركي بين عامَي 2015 و2019، أن مجموعة الوثائق الحكومية التي نشرتها «واشنطن بوست» أواخر عام 2019، والتي تضمّنت مقتطفات من مقابلات مع مجموعة من المسؤولين الأميركيين، كشفت إدراك هؤلاء المبكر استحالة الانتصار في أفغانستان. وبحسب مالكازيان، فإن الولايات المتحدة «حاولت الوصول إلى وضع يتراجع فيه العنف في أفغانستان، أو تصبح فيه الحكومة الأفغانية قوية بما يكفي للسماح بانسحاب القوات الأميركية من دون عودة التهديد الإرهابي. لكن هذا اليوم لم يأتِ. بهذا المعنى، ومهما حمل المستقبل من مستجدّات، فإن الولايات المتحدة، ولمدة 18 سنة، عجزت عن الفوز». أهمية مساهمة كبير المستشارين تكمن في اعترافه بمحورية «تصميم الأفغان القوي على مقاومة المحتلين»، وحديثه عن التدخلات الباكستانية، وعدم قدرة النظام الذي نشأ بعد الغزو الأميركي للبلاد على تأمين أبسط الخدمات لشعبها، كأبرز العوامل التي أفضت إلى فشل واشنطن الكبير. ومن بين المعطيات المُشجّعة على الانسحاب، يذكر التنافس المحتدم بين القوى الكبرى، والمواجهة المتصاعدة مع إيران، والتي «قد تُغيّر طبيعة الحرب الأفغانية»، أي بكلام آخر يمكن أن تستفيد منها إيران في المزيد من استنزاف القوات الأميركية.

الأولوية الفعلية للإدارة الأميركية الحالية هي المواجهة مع إيران ومحور المقاومة


ربما ما يفسر صراحة مالكازيان وإقراره بـ«الفشل» الأميركي، وهو في الحقيقة هزيمة، هو قربه من المؤسسة العسكرية التي تُغلّب الاعتبارات الجيوسياسية على غيرها عند تحديدها للأولويات، والتي عَبّرت عن رؤيتها للاستراتيجية العامة الواجب اعتمادها من قِبَل الولايات المتحدة في وثيقتَي الأمن القومي والدفاع الوطني الصادرتين في بداية 2018. أكدت الوثيقتان أن الصين وروسيا هما التهديد الأبرز للريادة الأميركية، وأن الموارد والطاقات يجب أن تُعبَّأ أساساً للصراع المتعدّد الأوجه معهما. وعلى الرغم من أن الوثيقتين صدرتا في ظلّ الإدارة الحالية، ويُفترض أن تعكسا وجهة نظرها، إلا أن السياسة الفعلية التي تتّبعها الأخيرة، خاصة في الملف الإيراني، تُظهر أن التيار الأيديولوجي - العقائدي في داخلها لديه أجندة مختلفة، يحتلّ فيها التركيز على الشرق الوسط - بدلاً من آسيا - الصدارة، ويمثل الدفاع عن التفوّق الإسرائيلي الأولوية. ووفقاً لمايكل كلير، أحد أبرز الخبراء في الاستراتيجية العسكرية والنفطية الأميركية انطلاقاً من منظور معادٍ للإمبريالية، وصاحب العديد من المؤلفات المرجعية عنها وآخرها «السباق على ما تبقّى من موارد»، فإن الانقسام يتعمّق بين مَن يسمّيهم «الأيديولوجيين» المتحلّقين حول الثنائي بينس - بومبيو، و«الجيوسياسيين» الذين يضمّون كبار موظفي «البنتاغون» وأجهزة الاستخبارات المختلفة ووزارة الخزانة الأميركية. يقول كلير، في مقال في عدد شباط من شهرية «لوموند ديبلوماتيك»، إن «الجيوسياسيين يعتقدون أن الولايات المتحدة غرقت في صراعات الشرق الأوسط التي لا أهمية قصوى لها. القوى الدولية المعادية، الصين وروسيا، استفادت من ضعف هذه الرؤية الاستراتيجية لتوسيع نفوذها الدبلوماسي والعسكري. لقد استطاعت بكين أن تُعزّز القدرات التكنولوجية لجيشها، وأن تُقوّض أسس التفوق الأميركي. اللافت هو أن شخصيات بارزة في عالم الاقتصاد والأعمال تشاطر الجيوسياسيين مخاوفهم، وبعضها لديه صلات وثيقة بالبيت الأبيض». يشير كلير إلى أن فريق الأيديولوجيين أكثر تأثيراً على الرئيس اليوم، لكنه يختم مقاله بالتأكيد أنه «آجلا أم عاجلاً، ستَرْجح كفة الميزان لمصلحة استراتيجية متمحورة حول آسيا. فنُخب السياسة الخارجية الأميركية، نتيجة خوفها من نموّ القوة الصينية، لن تقبل بأن تحول نزاعات الشرق الأوسط دون قيام أجهزة الدولة الأميركية العسكرية والأمنية والدبلوماسية بمهمتها الرئيسة: ضمان تفوّق الولايات المتحدة على خصومها الجيوسياسيين».
الواضح حتى الآن هو أن الأولوية الفعلية للإدارة الأميركية الحالية، على رغم وجود الكتلة الوازنة المشار إليها والتي لا توافق على تلك الأولوية، هي المواجهة مع إيران ومحور المقاومة، والتي سيجني خصوم الولايات المتحدة الاستراتيجيون مكاسب معتبرة منها. يعني هذا الأمر أن الدرس الأهمّ لحرب أفغانستان، ولـ«الحرب على الإرهاب»، من منظور استراتيجي، لم يُستخلَص من قِبَل مَن هم في موقع القرار.