تأتي «الأنباء الجيدة» أحياناً على شكلِ انهيار قياسي في أسواق العالم. انهيارٌ جاء مدفوعاً بقرار السعودية خفض أسعار النفط وتعويم السوق في ردّ فعل على رفض روسيا تحمُّل اقتطاعات إضافية في إنتاج النفط، ستؤدّي إلى تراجع حصّتها السوقيّة، مقابل تعزيز حضور الولايات المتحدة نفطياً. ولمعرفة كيف أن الأخيرة ستستفيد مِن كارثة الانهيار، على المديَين المتوسّط والبعيد، تكفي قراءة تغريدات رئيسها، دونالد ترامب، الهادئة، التي أطلقها أمس. إشارته إلى أن انهيار الأسعار سيعود بالنفع على المستهلك الأميركي ليست إلا تذكيراً بأنه واظب على مطالبة دول «أوبك» بخفض أسعارها والعزوف عن تقييد الإنتاج، برغم أن دون ذلك عواقب جمّة على صناعة النفط الصخري في بلاده. لكن قرار حرب الأسعار لا بدّ أنه جاء بدفع مِن الحليف الأميركي الساعي إلى وضع يده على قطاع الطاقة العالمي، وتزعُّمه لنصف قرن مقبل، عن طريق حرق أسعار ستدفع كبار المستثمرين إلى شراء حصص «الصغار» بأثمان بخسة، في ظلّ فورة الطاقة النظيفة التي لن تقوم لها قائمة دون مخزونات هائلة مِن النفط والغاز يمكن تحويلها إلى «هيدروجين»، قبل أن ينضب المخزون العالمي.


تصريحان سعوديان كانا كافيين لإحداث زلزال في السوق العالمية، فانهارت على إثرهما أسعار النفط والبورصات العالمية وهوت أسهم كبرى الشركات. استعارُ حرب الأسعار التي أطلقتها المملكة جاء مدفوعاً أولاً برفض روسيا اقتطاعات إضافية في إنتاج النفط تؤثّر في حصّتها في السوق لمصلحة الولايات المتحدة. وافتراض أن الرياض تقدح مِن رأسها في خطوة من هذا الحجم يجانب الصواب، ولا سيما أن انعكاساتها أصابت مقتلاً من الاقتصاد العالمي المأزوم بفعلِ التداعيات التي ألحقها الانتشار الواسع لوباء «كورونا». الخطوة التنفيذية السعودية لا يمكن إلّا أن تكون مدفوعة أميركيّاً. وتكفي قراءة ردّ الفعل الأميركي الهادئ والمتأخّر لتبيان استيعابها ما جرى؛ تعمل واشنطن على استراتيجية متوسطة وطويلة الأمد من أجل وضع يدها على قطاع الطاقة العالمي استباقاً لنضوب مخزونات الكوكب بعد عقود أربعة. لذلك، يكون انخفاض الأسعار فرصة لانقضاض كبار المستثمرين، أمثال «إكسون موبيل»، على حصص كبيرة وبأسعار بخسة («أرامكو» نموذجاً بعدما هوت أسهمها بنسبة 10%)، تمكّنها من جمع مخزونات نفطية هائلة لتحويلها إلى «هيدروجين»، قبل دخولها نادي الطاقة النظيفة.

الخطوة السعودية مقامرة في ظل المخاوف من آثار كورونا في المملكة


أما السعودية التي انترعت للتوّ إحدى رئتيها، فستكون أمام وضع متأزّم، كون قطاع الطاقة يمثّل نحو 80% من صادراتها وثلثَي إيراداتها المالية، وهي تحتسب سعره في موازنتها عند عتبة 65 إلى 70 دولاراً، فضلاً عن أن شركة «أرامكو» لن تستطيع تعظيم إنتاجها من البرتوكيميائيات بعدما نظّم الأميركي صناعتها، بخنقها. وإذا بقي خام «برنت» عند 35 دولاراً دون تعديل في الإنفاق، ستواجه المملكة عجزاً يقارب 15% من الناتج الاقتصادي في 2020، بينما سينفد صافي احتياطاتها الأجنبية في غضون خمس سنوات ما لم تستخدم مصادر تمويل أخرى، وفق تقديرات أولية. كما ينذر التراجع التاريخي في الأسعار بانهيار في إيرادات الدول والشركات المنتجة للنفط الخام حول العالم، ما سيؤدّي على الأرجح إلى تقليص كبير في أرباح مجموعات مِن بينها «بريتش بتروليوم» و«شل» و«توتال» و«إكسون موبيل»، فيما ينعكس ذلك إيجاباً على المستهلكين عبر خفض تكاليف المحروقات.

التقنين غير المفيد
بعزوفها عن تقنين الإنتاج، بدت روسيا عازمة على اختبار صناعة النفط الصخري؛ هي متيقّنة أن تقنيناً إضافياً بإجمالي 3.6 ملايين برميل يومياً (4% مِن المعروض العالمي) لن يؤدّي إلا إلى نفخ الحياة في قطاع حوّل نموّه الولايات المتحدة إلى أكبر منتج للنفط في العالم، وأكسبها حضوراً في السوق على حساب الروس. الحرب الأميركية على قطاع الطاقة الروسي استبقت على مراحل ردّ موسكو، إذ استهدفت الذراع التجارية لشركة «روسنفت»، وخط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» إلى ألمانيا، بينما تكافح صناعة النفط الصخري لتكون مربحة. ردّ موسكو، في المقابل، اعتمد استراتيجية اقتناص الفرصة المناسبة لإلحاق أكبر ضرر ممكن بهذه الصناعة، كونها أكّدت أن في مقدورها التكيّف مع أسعار النفط الحالية (ما بين 25 و30 دولاراً للبرميل)، لمدة تتراوح بين 6 و10 سنوات (هي باعت العام الماضي الكثير مِن نفطها عبر البواخر العائمة بسعر لا يتجاوز 30 دولاراً)، ولا سيما أنها تعتمد راهناً على خطوط أنابيب الغاز، وحصتها مِن السوق الأوربية ثابتة عند 30%. من جانب آخر، إن «صناعة النفط الروسية تملك قاعدة موارد عالية الجودة وهامشاً كبيراً مِن القوة المالية لتظلّ قادرة على المنافسة عند أي مستوى سعر متوقع، فضلاً عن المحافظة على حصّتها السوقية»، والإشارة لوزير الطاقة ألكسندر نوفاك. وجاء انهيار الأسعار في وقت تواجه صناعة النفط الصخري صعوبات كبيرة نتيجةَ أسعار منخفضة أصلاً، تضاف إلى اعتمادها على الاقتراض من المصارف وكبار المستثمرين للاستمرار. لكن الخفض الفوري للعرض لا يزال مستبعداً، إذ مِن شأنه أن يثبت وجهة النظر الروسية في شأن كَبحه.

من يصمد؟
سينتهي الكباش السعودي ــ الروسي لمصلحة الدولة التي ستتمكّن مِن تحمُّل الضرر الناجم عن حرب الأسعار. وفي حين تُعدُّ المملكة مُنتجاً منخفض الكلفة (2.80 دولار للبرميل)، تملك روسيا اقتصاداً أكثر تنوعاً يجعلها منافساً كبيراً. هنا تكمن استحالة أن تتراجع موسكو أولاً، «بالتأكيد ليس قبل ثلاثة إلى ستة أشهر إضافية»، كونها في وضع مالي أفضل لتحمُّل حربِ أسعار النفط، إذ تبلغ احتياطاتها المالية التي تواصل النموّ أكثر بـ80 مليار دولار من الاحتياطات السعودية. «المنطق» يقضي أنه بالتسبُّب في تراجع أسعار النفط العالمية إلى أدنى مستوياتها منذ 2016 «قد تعيد تلك الحركة الروس إلى طاولة التفاوض»، لكن تلك مقامرة التي ستدفع بالأسعار إلى عتبة 20 دولاراً للبرميل، كما ترى كبرى المصارف العالمية، محفوفةٌ بالمخاطر، والرياض ستكافح لإيجاد توازن في موازنتها في ظلّ استقرار أسعار النفط عند مستويات متدنيّة، تترافق غالباً مع احتمال إلغاء موسم الحج لهذه السنة إذا واصل «كورونا» التفشّي، بعدما عُلِّقت العمرة، وجرى إلغاء فعاليات «هيئة الترفيه». ورغم الاعتقاد بأن الخطوة السعودية تصبّ في إطار تهميش روسيا، يرى المحللون أن الأخيرة ستستفيد من هذه الخطوة، وستكون الشركات النفطية المحلية الروسية، التي لطالما أكدت أن القيود على الإنتاج تحدّ قدرتها على تطوير حقول نفطية جديدة، «الرابح الأكبر».