لم يطل وزير الصحة التركي فخر الدين قوجة الحديث عند إعلانه أول إصابة بفيروس «كورونا» في تركيا. يومها، قال إن المصاب ذكرٌ، كان موجوداً في أوروبا. وعندما سُئل عن المستشفى الذي يعالج فيه ومكان إصابته، لم يكشف قوجة أي تفاصيل، سوى أن المريض «وضع في الحجر الصحي مع جميع أفراد عائلته وهو بحالة جيدة»، مشدداً على أنه «يجب أن لا يقلل أحد من قدر إحدى ولاياتنا أو مستشفياتنا».

سياسة التعمية على تفاصيل الإصابات في البداية أثارت بعض الشكوك، خاصة أن وصول الفيروس إلى تركيا تأخر، رغم أنها «محاصرة» بدول فتكت بها الإصابات، وأبرزها إيران التي ارتفع فيها عدد المصابين الى الآلاف قبل إغلاق حدودها المشتركة مع تركيا. وبين هاتين الدولتين، مثلاً، علاقات اقتصادية نشطة تتجاوز في مرات عديدة اعتبارات السياسة والحروب في المنطقة، ما يجعل تركيا عرضة للإصابة قبل وقت من إعلانها الرسمي. أحد المواقع التركية نقل خبراً أورد فيه أن سائق شاحنة تركي أصيب بالفيروس بعد عودته من إيران في الآونة الأخيرة. وهو ما نفته وزارة الصحة سريعاً. «محض إشاعات»، هكذا ردّت الوزارة على كل المشكّكين فيها.
«تهمة» تأخير الإعلان عن الإصابات فتحت الباب أمام تساؤلات عن مصلحة تركيا في ذلك، وسط هذه الأزمة العالمية.

تأجيل الخسائر؟
تحيل تلك التساؤلات إلى الحركة النشطة التي شهدتها المطارات التركية، إذ صارت إسطنبول وأنقرة محطتي ترانزيت أساسيتين للمسافرين حول العالم، بعدما أغلقت عدة دول في آسيا وأوروبا مطاراتها. الحركة الإضافية تعني أرباحاً هائلة في أيام قليلة.
لعلّ أنقرة أرادت بهذه الخطوة أن تعوّض الخسائر التي لحقت بها عند إغلاق مطار أتاتورك قبل عام. يومها قال هالوق غرتشك، المتخصّص التركي في شؤون النقل، خلال مشاركته في ندوة نظمتها بلدية إسطنبول الكبرى حول النقل والمواصلات، إن الخسائر الاقتصادية من جرّاء إغلاق مطار أتاتورك، تصل الى 8.4 مليارات يورو من الاستثمار والإنشاءات، فضلاً عن 580 مليون يورو خسائر الشركات التجارية والفنادق في محيط المطار، لافتاً إلى أن أبعادها تنعكس على الأوضاع الاقتصادية للبلاد عموماً.
إن صحّ الربط بين التجربتين أو لا، كان من الأفضل لتركيا أن تؤجّل موجة الخسائر، وتتحصّن ضدّها بأرباح سريعة وضخمة، في انتظار الصدمة الأولى للاقتصاد بسبب «كورونا». وفعلاً هذا ما حصل. سريعاً، ارتفع عدد المصابين بفيروس «كورونا» في تركيا بعد الكشف عن حالات جديدة بينها وافدون من أوروبا والولايات المتحدة. ووصل عدد المصابين اليوم إلى 47 حالة، مرتفعاً من 12 حالة فقط أمس، وفق الإعلان الرسمي.
وأتى هذا بالتزامن مع تدابير جديدة اتخذتها السلطات هناك للحدّ من انتشار الفيروس، أبرزها إغلاق المدارس لأسبوعين، والجامعات لثلاثة أسابيع، إلى جانب إغلاق الملاهي والنوادي الليلية والحانات وتعليق الرحلات إلى 20 بلداً. خطوات احترازية شملت الفحص الحراري في المطارات، إضافة الى إعطاء مهلة للمواطنين الأتراك حتى نهاية اليوم للعودة من البلاد الأوروبية المحظورة، ما يشي بأن تركيا قد تتجه إلى إغلاق كامل للحدود جواً وبراً وبحراً. خسائر تعاني منها الدول أجمع، كما ستعاني منها تركيا.

هزّة اقتصادية
لم تكن الليرة التركية في أفضل حالاتها خلال العام الماضي، وحتى مطلع العام 2020؛ وعزّز انخراط تركيا في مغامرات إقليمية حالة عدم الاستقرار. كما أن اعتماد تركيا على السياحة مصدراً رئيساً للدخل، بات اليوم مع انتشار وباء «كورونا»، رهاناً خطراً. فمثلاً، توقف استقبال السياح الصينيين الذين ألغوا ثلاثين ألف حجز فندقي لهم في كابادوكيا ودينيزلي ونيفشهير وإسطنبول.
وأمس الإثنين، وصلت الليرة التركية إلى أدنى مستوى لها أمام الدولار منذ أيلول 2018، على خلفية أزمة «كورونا». وفقدت العملة التركية نحو 7.5 في المئة من قيمتها أمام العملة الأميركية منذ بداية العام الجاري.
بالتوازي، خفض بنك تركيا المركزي سعر الفائدة الرئيسي 100 نقطة أساس، اليوم، في اجتماع أجري قبل الموعد المحدد له، واتخذ خطوات لدعم الأسواق المالية المتقلبة. وفي سابع خفض له على التوالي من أجل التغلب على ركود سابق وتجنّب آخر محتمل، خفض البنك سعر إعادة الشراء لأسبوع إلى 9.75 في المئة من 10.75 في المئة، دافعاً أسعار الفائدة الحقيقية إلى مزيد من الانخفاض عن الصفر. واعتبر البنك المركزي أنه رغم هبوط الليرة، فإن انخفاض أسعار السلع الأساسية والتباطؤ الاقتصادي العالمي بسبب «كورونا» يسهمان في تقليص التضخم في تركيا بأكثر من المتوقع.

تعمل الشركة المشغّلة لمطارات تركيا على إعادة شراء أسهم بنحو 31.4 مليون دولار


أزمة قطاع الطيران التركي من جرّاء «كورونا»، دفعت شركة تشغيل المطارات التركية «TAV Airports Holding» إلى الإعلان عن خطط للشروع في «إعادة شراء" أسهم بقيمة 200 مليون ليرة تركية، أي ما يعادل 31.4 مليون دولار. وقال الرئيس والمدير التنفيذي للشركة، ساني سينر، إن الوباء «أدى إلى انخفاض حركة الركاب في المطارات التي نعمل فيها في جميع أنحاء العالم... هذا الوباء له آثار خطيرة على السياحة العالمية وصناعة الطيران، وهذا انعكس سلباً على أسهمنا».