في ملاحظته إلى القرّاء، قبل التوطئة، يَذكر بن هابرد، في كتابه الصادر حديثاً بعنوان: «إم بي إس: صعود محمد بن سلمان إلى السلطة»، أنّ المُنتج الذي وضعه بين أيدينا استند فيه إلى مئات المقابلات في أكثر مِن 12 دولة إلى جانب منشورات بلغات عدّة، وغيرها من الوسائط. قبل التقديم، كان لا بدّ للكاتب أن يشير إلى المجهود الذي بذله لست سنوات ليبصر كتابه الأوّل الضوء، وإلى الخبرات التي أكسبتها إياه زياراته المتكرّرة إلى المملكة بين عامي 2013، و2018 (السنة التي حُظر فيها منحه تأشيرة دخول). الكتاب الواقع في 348 صفحة، الصادر الأسبوع الماضي، لا يدّعي أنه سيرة ذاتية، إذ تنقصه الكثير مِن عناصر السير (أبرزها مقابلة صاحب السيرة)، بل يُقدِّم إلى قرّاء الغرب خصوصاً قراءة وافية لصعود «الأمير الشاب» وتعاظم سلطته في نصف عقد. وعن توقيت النشر في السنة الانتخابية، ربّما يفيد تسليط الضوء على جدول أعمال دونالد ترامب وآل سعود وعداء الإعلام الليبرالي لرئيس منح احتضاناً غير مشروط لوليّ العهد السعودي. مجرّد التذكير بمسار العلاقة التي افتتحها ترامب في أيار/مايو 2017 (زيارته الخارجيّة الأولى إلى المملكة)، وصولاً إلى جريمة قتل جمال خاشقجي (محرِّك نقمة الغربيين على ابن سلمان) التي يستفيض هابرد في محاولة تفكيكها، هي عوامل مِن شأنها أن تُنعش ذاكرة الجمهور الغربيّ الذي أفزعته «مقتلة القنصلية». وإنْ كان ذلك مُراد هابرد، فإن ما يجري راهناً في الداخل الأميركي، والعالم، يضع جانباً السياسة الخارجية للرئيس الساعي إلى تأمين شروط إعادة انتخابه بعدما زعزع «كورونا» مضافاً إليه حرب أسعار النفط الروسية ــــ السعودية اقتصاد أميركا والعالم، خاصة أن إستراتيجية ترامب لـ«الانتصار» في دورة ثانية تعتمد على سجلّه الاقتصادي «المُدهِش»!


خمسُ سنوات مرَّت على تقديم الملك السعودي، سلمان، ابنه محمد إلى العالم، اكتسب خلالها الشاب ألقاباً ــ يحتاج أيّ شخص آخر إلى أكثر من حياة لحملها ــ مكّنته مِن إحكام قبضته على مفاصل الحكم. البطش، وإن كان سلوكاً راسخاً في المملكة، فقد أخذ شكلاً أكثر جرأةً في عهد آل سلمان، مصحوباً بأعراض جنون عظمة ظهرت لدى شاب ثلاثيني يرى أن في استطاعته فعل أيّ شيء يرغب فيه ما دام غطاء الإدارة الأميركية يظلّله. يعتمد الكتاب أسلوباً منهجيّاً في تَعقُّب حياة ابن سلمان، محاولاً رسم إطار يبدأ مِن طفولته (لا تزال حياته المبكرة غامضة) وصولاً إلى تفصيله المحطات التي تكفّلت بصعوده. مع أن هذه السيرة لا تحتوي على معلومات جديدة عن حياة موضوعها، فهي تتكفّل بتسليط الضوء على خيارات دونالد ترامب المُكلفة.

الرجل الأبيض يروي سيرةَ الأمير
يلجأ هابرد إلى ما يصفها «التنبؤات المستنيرة» لمعرفة سبب اختيار ابن سلمان لمنصب الملك المستقبلي. صعوده يبدو مستغرباً للكاتب، لكَون سيرته الذاتية الخاصة لم تُغذِّ التوقعات بأن شاباً بهذه المواصفات المتواضعة سيحكم ذات يوم. فهو الابن البِكر للزوجة الثانية، وربّما الثالثة، للابن الخامس والعشرين مِن أبناء الملك المؤسِّس عبد العزيز، ما يعني أن الأمير بعيد جداً في ترتيب سلّم الخلافة. يطالعنا هابرد بتساؤلات منطقيّة ومشروعة مِن منظور رجل أبيض، كأن يسأَل عن كيفية صعود رجل «لم يسبق له أن أدار شركة تركت بصمة. ولم يكتسب خبرة عسكرية. ولم يتقن لغة أجنبية، ولم يتعلّم في جامعة أجنبية. ولم يقضِ وقتاً معتبراً في الولايات المتحدة أو أوروبا...». إذاً، كيف يصير فجأة «النجم الصاعد في القصر الملكي».

يستغرب الكاتب صعود أمير لم يتلقَّ تعليمه في جامعة أجنبيّة

تعيين ابن الملك في منصبه الأوّل وزيراً للدفاع لم يلفت الانتباه فوراً، نظراً إلى الدور الاستعراضي، أكثر منه عمليّاً، للجيش السعودي. لكن ذلك سيتغيّر بعد مضي شهرين مِن التعيين. فجر 27 آذار/مارس 2015، سيعلن عادل الجبير، السفير السعودي في الولايات المتحدة وقتذاك، انطلاق «عاصفة الحزم»، بسقف أسابيع قليلة، وضعه الأمير الوزير. لم يرَ الأخير سبباً مقنعاً «لعدم تشغيل الجيش». توجّه دبلوماسيون سعوديون، بمَن فيهم الجبير (سيصير وزيراً للخارجية)، إلى عواصم أجنبية لإقناع حلفاء المملكة بأن الحرب ستنتهي في أسابيع. كان التنبّؤ مجرّداً مِن أي حسابات تتعلّق بالخصم. الحرب في اليمن، يقول الكاتب، كانت علامة مبكرة على أن ابن سلمان سيتبنّى نهجاً عملياً جديداً في المنطقة (وفي الداخل). نهج سيتجّلى في الانقلاب الأوّل بعد أيام مِن بدء العدوان. سيخرج (ولي العهد) مقرن بن عبد العزيز مِن الصورة، ليصعد ابن سلمان إلى منصب نائب ولي العهد، محمد بن نايف، ويصبح ثانياً في الطريق إلى العرش.

الإعجاب الراسخ
لا يخفي هابرد إعجابه بما فعله ابن سلمان لبلاده وشعبه، وخصوصاً الشباب، متسائلاً: هل الأمير «سينضج ليصبح ملكاً أكثر حكمة، أم ستستمر المفاجآت غير السارة في تشكيل مرحلة حكمه؟». ما حدث في سنوات صعوده «لا يبشّر خيراً». التقدير الأخطر، يقول الكاتب، احتمال بقاء وليّ العهد في السلطة لعقود مقبلة. اشتغل الأمير منذ أن وطأت قدماه قصر «اليمامة» على قاعدة التخلُّص من كل العوائق التي يمكن أن تعيق طريقه إلى العرش. ولم تكن الانقلابات المتتالية إلا خدمة لهذه الفكرة، وآخرها اعتقال شقيق الملك، أحمد بن عبد العزيز، وولي العهد المخلوع، محمد بن نايف، بتهمة «الخيانة العظمى». على التوالي، شنّ إلى جانب الإمارات والبحرين ومصر حملة لعزل قطر، وتخلّص مِن ابن نايف ليصبح الأول في الطريق إلى العرش، في حزيران/يونيو 2017. مثّل ذلك العام ذروة صعود «أبي الإصلاحات» الذي أماط اللثام قبل ذلك بعام عن خطته لانتقال المملكة إلى عصر ما بعد النفط: «رؤية 2030». في نهاية 2017، ترافق اختطاف رئيس الوزراء اللبناني (السابق)، سعد الحريري، مع بدء موجة التطهير الثالثة، حين زُجّ بأمراء ووزراء ومسؤولين في «الريتز»، ليجبروا على توقيع تعهدات لتقاسم ثرواتهم. ليس مصادفة أن تلك الحلقة (الريتز)، التي عزّزت قبضة ابن سلمان، سرعان ما حازت موافقة ترامب: «بعض مَن يعامَلون بقسوة، حلبوا بلادهم على مدى سنوات!».
غاب الودّ بين الرياض وواشنطن في ولايتَي باراك أوباما. لم يرُق للأولى الانتقادات التي وجّهها الثاني على خلفية إعدام المملكة الشيخ نمر النمر بداية 2016. كان أوباما متردّداً إزاء الانجرار إلى ما رآه «صراعاً طائفياً سعودياً ضدّ إيران»، ساعياً إلى الحفاظ على مسافة بين بلاده والمملكة. في ظلّ الإدارة الحالية، تغيّر المشهد. فإعجاب ترامب بابن سلمان، وتودّد الأخير إلى صهر الأول، جاريد كوشنر، المُكلَّف حقيبة الشرق الأوسط، يشكّلان مادة رئيسية في الكتاب. بل إن دعم إجراءات الأمير المجنونة والرغبة في تبرير أيّ سلوك يصدر منه وصلا إلى الذروة حين رفض ترامب تحميل وليّ العهد مسؤولية اغتيال خاشقجي، ضارباً بعرض الحائط استنتاجات وكالة الاستخبارات المركزية. ففي بيان حمل عنوان «أميركا أولاً»، قال: «لن نتخلّى عن المملكة واستثماراتها بسبب مقتل خاشقجي». تداعيات الجريمة لا تزال تلاحق ابن سلمان، لأن معظم العالم ليس متسامحاً جداً، يؤكد هابرد، مشيراً إلى أن الأمير لم يعد قادراً على «جولات انتصار عبر الغرب»، كتلك التي هندسها بعد تولّيه السلطة. كانت حادثة القنصلية تنبيهاً: «بالتأكيد، كان خاشقجي رجلاً واحداً فقط، لكن التباين بين انتقاداته المنطقية، ونهايته البشعة، لفت انتباه العالم».

غلاف الكتاب

«أمير الذباب»
التغيير الأساسي الذي أحدثه ولي العهد، يوضح الكاتب، هو التحوّل إلى «أوتوقراطية القفازات الناعمة». أوتوقراطية تضمّ مراكز قوة متعدّدة، من بينها «مختبر لنوع جديد من الاستبداد الإلكتروني». يعود بنا هابرد إلى عام 2012، حين تمكّن مقرصن غير محترف وشاعر هاوٍ من الوصول إلى «هاكينغ تيم»، وهي شركة إيطالية باعت برامج تجسّس للحكومات يمكنها اختراق الهواتف المحمولة والأجهزة الأخرى. هل يمكن للشركة إرسال خبراء يتمتّعون «بمعرفة تقنية عالية» إلى المملكة لعرض منتجها؟ سأل، واعداً بتغطية النفقات «من الألف إلى الياء»، وفقاً لرسائل جرى تناقلها عبر البريد الإلكتروني، ونشرها موقع «ويكيليكس». اسم المقرصن: سعود القحطاني. في ذلك الوقت، كان لاعباً صغيراً في بلاط الملك عبد الله. وفاة الأخير في عام 2015 رفعت شأن المقرصن، إذ فوّضه راعيه الجديد، ابن سلمان، بناء ترسانة من الأسلحة الإلكترونية الجديدة لدفع صعوده. نشر القحطاني جيوشاً من «الذباب الإلكتروني»، وأشرف على حملة قرصنة امتدّت لتطاول جيف بيزوس (الرئيس التنفيذي لشركة «أمازون»). لاحقاً ستنتقل حملته ضدّ الأصوات المعارضة مِن الواقع الافتراضي إلى الحقيقي، بعد إشرافه على قتل وتقطيع جثة خاشقجي في إسطنبول. قصة صعود القحطاني وسقوطه غير المتوقّع تُعدُّ دراسة حالة حول كيفية تحوّل القادة المبتدئين إلى السوق الدولية المتنامية لبرامج التجسس التجارية لتعزيز سلطتهم، وهي حالة تسلّط الضوء على مزيج من الطموح الكاسح، والإفلات من العقاب لدى الأمير الشاب. باكراً أدرك ابن سلمان فعّالية التقنيات المتطوّرة في خدمة ما يصبو إليه، واختار القحطاني ــ لولائه الذي لا يتزعزع أكثر من مهارته ــ لقيادة هذا الجهد، بعدما أقنعه الأخير بأن معرفته بالفنون الإلكترونية المظلمة يمكن أن تساعده في الانتصار على منافسيه الكُثر. صار القحطاني مستشاراً للديوان الملكي برتبة وزير، وحصل على موازنة ضخمة للتسوّق للحصول على أفضل التقنيات المتاحة في السوق المفتوحة.
يضع هابرد قصة صعود ابن سلمان في سياق يمتدّ إلى ما بعد المنطقة: «صعود إم بي إس كان عبر ركوب التيارات العالمية». ونظراً إلى تركُّز المزيد من ثروة العالم في أيدٍ أقلّ، استخدم السلطويون الشعبويون الخطاب القومي لحشد شعوبهم مغلقين أيّ منفذ معارض. مثل هذا العالم يتّسع لأمير لن يتوقّف عند أي حدّ «ليعيد العظمة إلى المملكة، بشروطه». لا قصة واحدة لابن سلمان، بل مجموعة قصص يُحدِّد هو كيف تنتهي. أما هذا الكتاب، يقول هابرد، «فكان مجرَّد بداية».