كانت روسيا من أواخر الدول التي دخل إليها فيروس "كورونا" بعدما فتك بدول عديدة على حدودها. تُرجع موسكو الأمر الى الإجراءات السريعة التي اتخذت للحدّ من انتشار الفيروس، لكن ذلك لم يكن كافياً لتحييد الاتهامات الغربية. إذ كثر الحديث عن أن إدارة فلاديمير بوتين تخفي حقائق كثيرة، وأنها تستغل الإجراءات الاحترازية لقمع التحركات المعارضة، وذلك بعد نحو شهر على أحاديث لمسؤولين أميركيين تتهم روسيا بتشغيل آلاف الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ضمن جهود منسّقة لنشر المخاوف بشأن الفيروس. وعلّقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، على المقاربة الأوروبية تجاه موسكو، بالقول إن الاتحاد الأوروبي يحاول التستر على مشاكله الخاصة في مكافحة الفيروس بواسطة "مزاعم لا أساس لها ضد روسيا".


"قوة ناعمة"
الوقائع والأرقام تكشف أن الاتحاد الأوروبي بات تحت مقصلة يمكن أن تنهي وحدته ودوره التقليدي في العالم. وسيكون فشل أوروبا في مواجهة الفيروس، محفزاً لـ"زيادة الاحترام لروسيا"، حسب رأي آلكسي مالاشينكو، الخبير في مركز "كارنيغي" للأبحاث والدراسات. يتناسب الرأي السابق مع قول جون ألين رئيس معهد "بروكنغز" والقائد السابق لقوّة المساعدة التابعة لـ "حلف شمالي الأطلسي" والقوات الأميركية في أفغانستان، إن "المُنتصرين على أزمة كورونا سيكتبون التاريخ".
في خضم الأزمة، أرسلت موسكو طائرات تقل خبراء ومساعدات طبية الى إيطاليا. "قوة ناعمة" تتألف من نحو مئة خبير في علوم الفيروسات مع تجهيزات طبية ومختبرات نقالة ووحدات تعقيم، وصلت الى إيطاليا، في وقت كانت فيه بعض الدول الأوروبية تسرق المساعدات الصينية المقدمة لإيطاليا. "بوتين سجل انتصاراً هنا" على دول الحلف "الأطلسي"، التي تقف كل منها وحيدة، محاولة تخليص نفسها مما أحدثه الفيروس، وفق المحلل السياسي الروسي آلكسي مالاشينكو، الذي أكد أنها نقطة إيجابية لروسيا تضعها بمصاف الدول التي "لا تتأثر بالعقوبات الدولية".

الاقتصاد إلى أين؟
رغم الانتقادات التي وجّهت على الجبهة الداخلية لإرسال هذه المساعدات في وقت قد تحتاج إليها روسيا، أكد بوتين أن بلاده لن تتأثر كثيراً بسبب أزمة "كورونا"، وستخرج أقوى، مستنداً إلى احتياطات "كافية للصمود"، في إشارة إلى 150 مليار دولار في صندوق الثروة السيادية.
في المقابل، رأى رئيس مجلس إدارة "روس نانو" الروسية لتقنيات النانو، أناتولي تشوبايس، في مقابلة على قناة "روسيا اليوم" قبل أيام، أن الضربة التي ستلحق بالاقتصاد الروسي بسبب تفشي "كورونا" ستقاس بعشرات مليارات الدولارات، داعياً الحكومة إلى اتخاذ خطوات أكثر جدية لدعم الشركات المحتاجة.

أرسلت موسكو طائرات تقلّ خبراء ومساعدات طبية إلى إيطاليا


إلى جانب الرأيين المتباعدين، رأت كبيرة الاقتصاديين في شركة "روناسانس كابيتال" صوفيا دونيتس، أن روسيا في موقع أفضل من بعض الدول الأخرى في القدرة على التصدي للصدمات الاقتصادية الحالية، وذلك لأن خضوع روسيا لعقوبات غربية منذ سنوات وعزلتها الدولية جعلتاها أقل حساسية على الأزمات العالمية. ومع ذلك، استبعد رئيس ديوان المحاسبة الروسي أليكسي كودرين، أن ينمو الاقتصاد الروسي خلال العام الجاري في ظل الأوضاع التي يشهدها العالم، والمتمثلة بانتشار "كورونا" وهبوط أسعار النفط. وأكد أن التوقعات الاقتصادية لم تحدث بعد، لذلك لا يمكن استبعاد حدوث انخفاض في حجم الناتج المحلي الإجمالي الذي نما العالم الماضي وارتفع بنسبة 1.3%.
روسيا تواجه أزمة مضاعفة، بين كورونا وحرب أسعار النفط التي بدأتها السعودية بعد فشل التوافق على خفض الإنتاج لمجابهة أزمة "كورونا". إذ خفّضت السعودية أسعار نفطها المطروح للبيع إلى أدنى مستوياته في 20 عاماً، ورفعت إنتاجها إلى مستوى قياسي، في محاولة للاستحواذ على حصّة أكبر في السوق. لكن قبل أيام لم يستبعد مسؤولون روس أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف هذه الحرب، وفي الوقت نفسه أكدوا على أهمية دخول منتجين آخرين إلى اتفاق تجمع "أوبك +"، ملمّحين إلى الولايات المتحدة الأميركية، وهي اتصالات نفتها السعودية.

عقوبات وتعديلات دستورية
جاءت الأزمتان إلى موسكو، بعدما أقر مجلس الدوما الروسي تعديلات دستورية شملت بنداً يفتح الباب أمام بوتين للترشح لولاية جديدة، وإبقاء النظام الذي بناه خلال 20 عاماً في السلطة. يريد بوتين "تصفير عدّاد" الولايات الرئاسية حسب تعبيره، شرط موافقة الروس في انتخابات تم تأجيلها تحت ضغط "كورونا". موسكو التي مضت بالتعديلات، رغم الانتقادات الغربية والمحلية، انتقدت خلال الفترة الماضية العقوبات الغربية التي تحاصرها. واليوم، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنه يتوقع أن يطلب منه نظيره الروسي فلاديمير بوتين، رفع العقوبات الأميركية عن بلاده، وذلك خلال مكالمة هاتفية مرتقبة بينهما. ولم يقل ترامب ما سيكون رده على ذلك الطلب. والخميس الماضي، قال بوتين لزعماء مجموعة العشرين خلال مؤتمر افتراضي، إنه يرغب في رفع العقوبات لأن هذه "مسألة حياة أو موت" خلال انتشار الفيروس.
وقال ترامب إنه سيناقش مع بوتين انهيار أسعار النفط التي قال إنها "تضرّ حقاً" بقطاع الطاقة الأميركي. كما أشار إلى احتمال مناقشة مسألة فنزويلا، والعقوبات الأميركية المفروضة عليها. وفي تصريح لافت، نفى ترامب التقارير بأن روسيا والصين تسعيان الى استغلال "كوفيد-19" لنشر الأخبار المضلّلة التي تهدف الى تشويه صورة الولايات المتحدة. وتساءل ترامب لماذا يعتبر الكثيرون في الغرب روسيا عدواً؟، وشكك مرة أخرى في التحالف بين الولايات المتحدة وألمانيا.