استغلال السود والنساء والفقراء، تجارة «العبيد»، نهب الثروات والموارد الطبيعية، القمع الدموي للشعوب المُطالبة باستقلالها وحريتها... وقائع عديدة تختصر تاريخاً من الاستعمار الفرنسي لدول شمالي وغربي القارة الأفريقية. على مدى قرابة الثلاثة قرون، عرفت بلاد «حرية، مساواة، أخوّة» (الشعار الوطني لكلّ من فرنسا وهايتي) كيف «تمصّ دم» الدول الأفريقية، وتعتبرها مُجرّد «محمية طبيعية» لها، تملك «الحقّ» في التصرّف بها كما تقتضي مصلحتها. وحتّى اليوم، لم تتخلّ الإدارة الفرنسية عن «أحلامها الاستعمارية» في أفريقيا. إلا أنّ التعامل مع البلاد الأفريقية من خلفية الاستعباد والتمييز العنصري لا يقتصر على الدوائر الرسمية. فالمُفاجئ أن تكون مُنتشرة في أوساط العلماء والأطباء، المُفترض أنّهم أبناء «مهنة الإنسانية».

في بداية نيسان الجاري، استضافت قناة «LCI» الفرنسية، الباحث في «المعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية - Inserm»، كاميل لوكت، ورئيس وحدة العناية المركزة في «مستشفى كوشين الحكومي» التابع لجامعة باريس، جان بول ميرا. كان الحديث يتناول اكتشاف لقاح ضدّ وباء «كوفيد - 19»، فكانت مُناسبة ليكتشف الجمهور «الفكر اللابطني» الاستعماري للباحثين، اللذين دعوَا إلى استخدام الأفارقة في التجارب السريرية لإيجاد لقاح. هي موجة عنصرية جديدة، بعد أن افتتحت الولايات المتحدة هذا المسار، حين تعاطت مع الوباء بكثير من العنصرية والأنانية، وتحديداً من خلال تغذية خطاب الكراهية تجاه الصينيين، إن كان عبر القنوات السياسية والدبلوماسية أو حتى عبر الصحافة الأميركية، فسُمي بـ«الفيروس الصيني».
«إذا أمكنني أن أكون استفزازياً، ألا يجب إجراء هذه الدراسة (لاكتشاف اللقاح) في أفريقيا، حيث لا توجد أقنعة ولا علاج؟ كدراسات أخرى، مثلاً حول الإيدز، حين نُخضع فئة للتجربة لأنّنا نعرف أنّها مُعرضة بنسبة عالية. ما رأيك بذلك؟»، سأل جان بول ميرا. ردّ كاميل لوكيت بالقول: «أنت على حق. نحن نُفكّر في إجراء دراسة في أفريقيا، ولا شيء يمنع بالتوازي القيام بدراسة في أوروبا وأستراليا». اقتراح الرجلان، كشف عن مجموعة من الممارسات التي رافقت ظهور الطب الغربي الحديث.
الكلام الذي عكس نظرية استعلائية تجاه الشعب الأفريقي، أثار موجة اعتراض واسعة داخل فرنسا وفي القارة الأفريقية. وحتى الساعة، بلغت التواقيع على عريضة تُطالب الـ«LCI» بتقديم اعتذار، قرابة الـ80.000 توقيع. كما انتشر وسمَا «اختبروا لديكم» و«لسنا فئران مختبرات»، باللغة الفرنسية، على وسائل التواصل الاجتماعي، اعتراضاً على كلام الباحثين. وقد أدان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس «التعليقات العنصرية» التي أدلى بها الباحثان الفرنسيان. وقال إنّ هذه الأقاويل العنصرية لا تُقدّم شيئاً، وتُناقض مفهوم التضامن الإنساني، «من غير الممكن أن تكون أفريقيا حقل تجارب لأيّ لقاح... عقلية الاستعمار يجب أن تنتهي... من المُخجل أن نسمع هكذا تعابير في القرن الـ21». وزير الخارجية الفرنسي، جان ايف لودريان سارع إلى التأكيد أنّ ما صدر عن الباحثين «لا يعكس موقفاً فرنسياً رسمياً»، مُعلناً أمس أنّ بلاده ستُخصّص «مساعدة تبلغ قيمتها قرابة 1,2 مليار يورو لمكافحة تفشّي كوفيد- 19 في أفريقيا».

قرابة الـ80.000 توقيع تُطالب الـ«LCI» بتقديم اعتذار


كما أعربت السفارة الفرنسية لدى جنوب أفريقيا عن استيائها من تعليقات الطبيبين. موجة الاعتراض شملت مؤسسات حقوقية وأحزاباً فرنسية عدة، وقد رفع اتحاد الحقوقيين في المغرب دعوى قضائية.
من جهتهما، اعتذر الباحثان عن كلامهما، وبرّرا بأنّه «خانهما التعبير». أما معهد «Inserm»، فنشر على صفحته على «تويتر» منشوراً يعتبر فيه أنّ تصريحات كاميل لوكت «حُرّفت عن سياقها، وما انتشر حول كلامه عبارة عن أخبار زائفة». وبرّر المعهد بأنّ البحث يدور «حول إمكانية إجراء أبحاث في أفريقيا على لقاح ضد وباء كوفيد- 19، بالتوازي مع الأبحاث التي نُجريها في أوروبا، فالجائحة عالمية ولا يجب إقصاء القارة الأفريقية».
«استخدام» بلدان القارة الأفريقية كـ«حقل تجارب»، لم يقتصر على الطبيبين الفرنسيين. فبعد انتشار أخبار عن أنّ بوركينا فاسو، ستكون واحة اختبار، نفت الرئاسة فيها ذلك، «بوركينا فاسو لا ولن تُشارك بأيّ شكل من الأشكال في أي مشروع اختبار لقاح ضدّ وباء كوفيد 19 على أراضيها».
في وقت تدعو فيه «الأمم المتحدة» إلى «التضامن» العالمي للتمكّن من مواجهة الوباء المُستجد، تظهر الدول «المُتقدمة» الغارقة في أزماتها عنجهية كبيرة تجاه الدول الأخرى. تُريد مكافحة وباء، استخفّت به بدايةً، بـ«أدوات» خارجية. يتمّ التعاطي مع أفريقيا، كما لو أنّها ليست لديها مشاكل تُثقل هممها أصلاً. فيما خصّ «كورونا»، تجاوز عدد الإصابات في القارة الـ11 ألف حالة، وقرابة الـ550 حالة وفاة، بحسب إحصاء لـ«رويترز». وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن حكومات أفريقية عدة أعلنت العزل العام أو حظر التجول بسبب الفيروس، الذي بات ينتشر بكثرة.. في حين أنّ إثيوبيا وليبيريا أعلنتا أمس حالة الطوارئ.