انهارت أمس أسعار خامات النفط إلى ما دون 27 دولاراً للبرميل، فعمّ «الذعر» أسواق الأسهم التي شهدت بدورها انخفاضاً حاداً، من الولايات المتحدة إلى اليابان، مروراً بأوروبا والخليج. رغم ذلك، أصر مفوض الشؤون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، بيير موسكوفيتشي، في مؤتمر دافوس، أنه لن تكون هناك أزمة مالية عالمية جديدة، على الرغم من الاضطرابات في الأسواق العالمية، التي عزاها إلى تباطؤ الاقتصاد الصيني وهبوط أسعار النفط. ورأى موسكوفيتشي أن البنوك المركزية ما زال أمامها الكثير الذي يمكنها فعله لمجابهة تباطؤ الاقتصاد العالمي، بما لا يغير توقعات التعافي في منطقة اليورو.
ورداً على سؤال عمّا إذا كانت «ذخيرة» البنوك المركزية الأساسية في العالم لإنعاش الاقتصاد العالمي قد نفدت، بعد سنوات من التيسير الكمي وخفض أسعار الفائدة إلى حدودها الدنيا، قال موسكوفيتشي إن لدى المصارف هذه «بنادق، وبوسعهم التحرك». وكانت المفوضية الأوروبية قد توقعت، في تشرين الثاني الماضي، نمو منطقة اليورو 1.8% هذا العام، و1.9% في 2017.

خفض صندوق النقد الدولي من توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي

وعلى غرار «الموضة» الرائجة من التحليلات، علّق موسكوفيتشي المشاكل الهيكلية للاقتصادات الغربية على شمّاعة تباطؤ نمو الاقتصاد في الصين، التي رأى أنها «تمر بمرحلة تحوّل صعبة وضبابية»، مضيفاً أنه «قد يكون هناك أثر محدود» لذلك على آفاق النمو الأوروبي، الذي هو ضعيفٌ جداً في الواقع، خاصة إذا ما قورن بنسبة نمو 6.9% التي يتمتع بها الاقتصاد الصيني، بحسب مكتب الإحصاءات الوطني في الصين.
وفيما يتعثر عدد من الشركات الصينية، يشهد الاستهلاك الداخلي الصيني منحى متصاعداً، بما يعكس ثقة الصينيين بالاقتصاد الصيني، وهو الأول عالمياً من حيث إنتاج السلع والخدمات الحقيقية، ومن حيث القدرة الشرائية للمواطنين، رغم اهتزاز ثقة هؤلاء بأسواق الأسهم المحلية، بحسب صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية.
غير أن موسكوفيتشي أقر بالمخاطر التي تتهدد أوروبا جراء احتمال تصويت غالبية البريطانيين، في الاستفتاء المقرر إجراؤه العام القادم، لمصلحة الخروج من الاتحاد، كما بسبب احتمال إلغاء منطقة «شنغن» للعبور الحر لمواطني الدول الأوروبية الـ26 الأعضاء، وذلك بسبب أزمة اللاجئين؛ لكنه قال إنه واثق من التوصل إلى اتفاق جيد مع بريطانيا في شباط المقبل، والتوصل إلى اتفاق «لإصلاح فضاء شنغن» بما يسمح باستمراره. ورأى موسكوفيتشي أن على دول الاتحاد أن تمضي قدماً في برنامج استثمارات عامة يعرف باسم «خطة يونكر»، وإصلاحات اقتصادية هيكلية لزيادة معدلات النمو.
في المقابل، خفض صندوق النقد الدولي من توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي، فبات يتوقع أن يرتفع مجمل النشاط الاقتصادي العالمي بنسبة 3.4% في العام الحالي، و3.6% العام المقبل، أي بـ0.2% أقل من توقعات الصندوق المنشورة في تشرين الأول الماضي، بحسب شبكة «بي بي سي»، التي نقلت عن الصندوق تحذيره من أن عدم التصدي لتحديات أساسية من شأنه أن يهدد النمو الاقتصادي العالمي، مضيفاً أن ما سمّاه التعافي من الأزمة المالية مستمر، رغم أنه في الدول الغنية «متواضع وغير متساوٍ». ويتوقع الصندوق أن يزيد معدل النمو في الاقتصادات المتقدمة هذا العام على 2% فقط في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسبانيا. ويتوقع الصندوق أيضاً أن تبقى روسيا في حالة من الركود في العام الحالي، قبل أن تشهد نمواً متواضعاً في العام المقبل.
وفيما كانت التوقعات تشير إلى أن أسعار النفط ستكون «أكثر انخفاضاً، ولوقت أطول»، بات مديرو شركات النفط في دافوس يرددون «همساً» أن السيناريو الجديد المتوقع هو أن تكون أسعار النفط «أقل بكثير، ولوقت أطول بكثير»، بحسب موقع «بلومبرغ»، ويؤدي ذلك إلى المزيد من التراجع في أسواق الأسهم في اقتصاد المضاربات السائد في العالم الغربي خاصة.
لن يتوازن سوق النفط، نتيجة خفض الاستثمارات، قبل عام 2017

ينقل الموقع عن المدير التنفيذي في وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، قوله في منتدى دافوس إن «العرض (من النفط الخام) يفوق الطلب، للسنة الثالثة على التوالي»، ما سيؤدي إلى «استمرار الضغط نزولاً على الأسعار»؛ فلا يرى بيرول «أي سبب لارتفاع مفاجئ» لأسعار الخام في العام الحالي. ويشرح بيرول أن الخفوضات غير المسبوقة في الاستثمار في إنتاج النفط، التي بلغت 16% العام الحالي، ويُتوقع أن تبلغ 20% في العام المقبل، تهيئ لإعادة التوازن إلى سوق النفط الخام، مشيراً إلى أن ذلك لن يتحقق قبل عام 2017.
«تستمر أسعار النفط في الهبوط، وتأخذ معها وال ستريت»، أي سوق المال الأميركية، عنون أمس موقع «سي إن إن موني»، شارحاً أن مؤشر «داو جونز» انخفض أمس بواقع 540 نقطة، كما انخفض مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 3.5%، إلى أدنى مستوى له منذ تشرين الأول من العام الماضي، وانخفض مؤشر «نازداك» بنسبة 3.5% إضافية، بعد هبوط أسعار النفط الخام إلى أدنى مستويات لها منذ أيلول 2003، ما عمم «الذعر» في «وال ستريت»، التي شهدت موجة بيوعات كبيرة. ونقل الموقع عن كبير واضعي السياسة السوقية في «أميريبرايز فاينانشال»، دايفيد جوي، قوله لزبائنه إن ثقة الموظِفين «انقلبت إلى السلبية بحدة، ولن تستقر الأسواق على الأرجح حتى تصل أسعار النفط إلى قعرها».
وفي أوروبا، تراجع أمس مؤشر «يوروفرست 300» 3.3%، إلى أقل مستوى له منذ تشرين الأول 2014؛ وانخفض مؤشر «يورو ستوكس 50» للأسهم القيادية بنسبة مماثلة. وفي لندن، دخل مؤشر «ام.اس.سي.آي»، الذي يغطي 46 بلداً، «سوق المراهنة على الهبوط»، وذلك بعد أن نزل أكثر من 12% منذ مطلع العام الحالي، في إشارة إلى أن الاتجاه المهيمن في أسواق الأسهم هو الاتجاه النزولي الطويل الأمد، وفقاً لمحللين ماليين. وقال المدير في «إنتيليا كابيتال»، جيسيبي سيرسالي، إن «الضغوط من الشدة بما يكفي لدفع السلطات النقدية للتحرك من أجل تهدئة المخاوف»، علماً بأن البنك المركزي الأوروبي يعقد اليوم اجتماعاً في هذا الصدد.




اللاجئون ذُخراً اقتصادياً لأوروبا

رغم اعتباره أن قرار النمسا تحديد عدد الأشخاص المسموح لهم بطلب اللجوء وتشديد الإجراءات على الحدود هو «صرخة (أوروبية عامة) طلباً للمساعدة»، رأى وزير الاقتصاد الألماني ونائب المستشارة، سيغمار غابرييل، أن حل أزمة اللاجئين لن يكون إلا بالتضامن الأوروبي، وأن إغلاق الحدود في أنحاء القارة سيفضي إلى «كارثة اقتصادية».
ويفسّر كلام غابرييل تقرير نشره صندوق النقد الدولي أمس، يشير إلى تعزيز فوري للاقتصاد الأوروبي، نتيجة تدفق اللاجئين، شرط دمج الأخيرين في «سوق عمل أكثر مرونة» (أي أقل حماية لحقوق العاملين، وفي مقدمتها ديمومة عملهم)، وفقاً لما نقلته «بلومبرغ» عن التقرير. يقدّر الصندوق أن يرتفع الناتج الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي الـ28 بـ0.13% في العام المقبل، وذلك إذا ما تمكنت الحكومات الأوروبية من توظيف اللاجئين على نحو ملائم، مشيراً إلى أن الناتج المحلي الألماني قد يتوسع بنحو 0.3% عام 2017، إذا ما أحسنت برلين توظيف اللاجئين إلى أراضيها، وإذا ما تمكنت من رفع «مرونة سوق العمل».