تسعى روسيا، على غرار دول أخرى أرهقها الوباء وتداعياته، إلى أن توازن بين الإجراءات التي تهدف إلى الحدّ مِن انتشار «كورونا»، وأخرى لتحريك عجلة اقتصاد يُتوقَّع أن ينكمش بنسبة 4.5%، بفعل تراجع حادّ في أسعار الخام، يضاف إلى بيانات ترسم صورة مُقلقة لانتشار الفيروس في أنحاء البلد. سببٌ كافٍ بالنسبة إلى موسكو لإعادة إحياء قطاعاتها المنتِجَة، وإن تدريجياً، بعد مُضي شهرٍ ونصف شهر على تفعيل إجراءات عزل شبه تام.

ورغم تجاوز عدد الحالات الإجماليّة بفيروس «كورونا» فيها عتبة الـ250 ألفاً وتحّولها إلى بؤرة انتشار عالميّة، لا تزال روسيا بعيدةً جداً عن معدّلات الوفيات المُسجّلة لدى نظيراتها، إن كان في غرب أوروبا، أو حتى في الولايات المتحدة، حيث بلغ عدد الوفيات نحو 86 ألفاً. واللافت، في هذا الإطار، أن عدد الفحوص التي تُجريها روسيا، قياساً إلى عدد سكّانها البالغ نحو 114 مليون نسمة، تُعدُّ من بين الأعلى عالمياً. وهي لفتت في غير مناسبة إلى أهمية سياسة الفحوص المكثّفة، إذ اعتبر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أنها سمحت بكشف الحالات التي لا تظهر عليها أعراض الإصابة، أو تبدو عليها أعراض خفيفة، ما أتاح الاعتناء سريعاً بالمرضى وعزلهم. هذه المقاربة التي شملت إجراء ما يزيد على 6 ملايين فحص حتى الآن، أو 42 ألفاً/ مليون (يُتوقَّع أن تتضاعف في مقبل الأيام)، تفسّر، وفق السلطات، انخفاض نسبة الوفيات في البلاد (2,305).
استناداً إلى تلك المعطيات، قرّر الرئيس الروسي، بداية الأسبوع الجاري، إنهاء العطلة الإجبارية السارية منذ نهاية آذار/ مارس الماضي، وبدء الرفع التدريجي للقيود بناءً على الوضع الوبائي في كل منطقة، بهدف إنعاش الاقتصاد الذي عانى كثيراً نتيجة الحجر. وأكّد، أمس، أن الوضع الوبائي يتحسّن في البلاد، وسط تراجع عدد الإصابات اليوميّة إلى ما دون 10 آلاف، للمرّة الأولى منذ بداية أيار/ مايو الجاري، إذ بلغ 9974 حالة مؤكّدة، ما رفع العدد الإجمالي إلى 252 ألفاً و245 إصابة. وتمّ إحصاء أكثر من نصف عدد الإصابات، أي 130 ألفا و716 إصابة، في العاصمة موسكو، حيث تمّ تمديد العزل شبه العام لغاية نهاية الشهر الجاري. وقضى التدبير الوحيد الذي اتُخذ في العاصمة لناحية تخفيف العزل، بإعادة فتح المصانع وورش البناء، بوصفهما قطاعين يضمّان نصف مليون عامل.
في ما يخص الفحوص، أعلنت موسكو، البؤرة الأولى للوباء، أنها ستطلق حملة فحص مكثّف في محاولة لتحديد المستوى الحقيقي للعدوى ووجود الأجسام المضادة للفيروس في أجساد المواطنين. وقال رئيس بلدية العاصمة، سيرغي سوبيانين، في تصريح تلفزيوني، إنه سيتم اعتباراً من اليوم اختيار 70 ألف شخص بشكل عشوائي كلّ ثلاثة أيام لإجراء فحوص لهم، في دراسة «فريدة في العالم». ونقل مركز مكافحة الفيروس في موسكو عن مساعدته، أناستازيا راكوفا، أن الحملة تهدف إلى رصد «وجود الأجسام المضادة لدى السكان»، وهو أمر محوري في دراسة فرضيّة «المناعة الجماعية». وسيتم لاحقا تقديم النتائج إلى الذين خضعوا للفحوص مع توصيات لهم من الأطباء، كما ستنشر النتائج العامة ويتم أخذها في الاعتبار عند اتخاذ قرار إنهاء الحجر وبقية القيود السارية في موسكو حتى 31 أيار/ مايو.

تطلق موسكو حملة فحص مكثّفة لتحديد المستوى الحقيقي للعدوى


وشملت أوامر تخفيف إجراءات العزل، إعادة فتح الشركات و«القطاعات الأساسية»، مثل البناء والصناعة والزراعة والاتصالات والطاقة واستخراج المواد الأولية، فضلاً عن سلسلة مساعدات مالية جديدة تعتزم روسيا تقديمها للعائلات، والشركات التي تم منحها إعفاءات ضريبية، على أمل كبح الارتفاع المتوقّع لنسب البطالة. وسمحت مناطق روسية عدة، أقل تضررا بالوباء مقارنة مع العاصمة، لبعض المتاجر بإعادة فتح أبوابها، لكن غالبية الأماكن العامة تبقى مغلقة بما في ذلك المطاعم، فيما لا تزال التجمعات محظورة حتى إشعار آخر.
وخلال اجتماع بثّه التلفزيون الرسمي، أمس، لفت بوتين إلى أنه «في الأسابيع الأخيرة، ركّزنا كل جهودنا على مكافحة فيروس كورونا، وتجهيز تدابير طارئة لدعم الاقتصاد والمواطنين»، مضيفاً خلال الاجتماع الذي خُصِّص لموضوع البحث الجيني والذي جرى عبر الفيديو: «لكن الوضع تغيّر وصار يسمح لنا بالتركيز مرّة أخرى على الأهداف بعيدة الأمد». واعتبر أن الأبحاث الجينيّة مهمّة إلى درجة أنها «مشابهة للمشاريع الذرية والفضائية خلال القرن العشرين». خلال الاجتماع نفسه، أعلن رينات ماكسيوتوف، مدير مركز «فيكتور» للبحوث في سيبيريا، أن مختبره وضع ستة نماذج أولية للقاحات «ثلاثة منها واعدة»، يُتوقَّع أن تنتهي تجاربها قبل السريرية أواخر حزيران/ يونيو. وأضاف أنه عقب ذلك، سيتم الانتقال إلى تجارب على البشر تشمل 300 متطوّع، على أمل «تسجيل» لقاح خلال أيلول/ سبتمبر.



دعم قطاع الطيران... أولوية
أعلنت الحكومة الروسية، أمس، تخصيص مبلغ 23,4 مليار روبل (271 مليون دولار) لمساعدة شركات الطيران التي تضرّرت بشدّة جراء انتشار الوباء. والأمر الصادر عن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وفق بيان نُشر على موقع الحكومة الالكتروني، أضيف إليه أمرٌ آخر يقضي بدعم مصنّعي الطائرات الروس مِن خلال مساعدة شركات تأجير الطائرات واستكمال الطلبات العامة للطائرات. وتنصّ المعايير الحكوميّة على تخصيص 60% مِن المساعدة المدفوعة للشركات لدفع رواتب الموظفين، إذ أشارت الحكومة إلى أن دفع بدلات الإيجار وتكاليف ركن الآليات، لا يمكن أن يتجاوز على التوالي 30% و10% من مبلغ المساعدة المقدَّمة.
وذكرت هيئة الطيران الفدرالية الروسية، «روزافياتسيا»، أن الناقل الوطني «إيروفلوت»، التي تضمّ شركات النقل «روسيا» و«بوبيدا» و«أورورا»، كانت تقدّمت بطلب للحصول على الدعم، لا سيّما بعدما انخفض حجم النقل الجوي الروسي بنسبة 91,8% في نيسان/ أبريل الماضي، بالمقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، بحسب هيئة الطيران.