قبل نحو أسبوع فقط، انطلقت على الكابل المحلي في إسرائيل (HOT) قناة «شيلانو» (لنا) المتحدّثة بالعبرية، وهي متفرّعة من شبكة التلفزيون المسيحية الإنجيلية التبشيريّة «God television» (تلفزيون الرّب). الشبكة، التي تبثّ محتوى دينياً في أكثر من مئتي دولة، حُظرت في إسرائيل قبل أن ترى النور، رغم أن مديرها، وورد سيمبسون، صرّح بأن الهدف من إطلاق «شيلانو» في إسرائيل هو «وعظ أمة إسرائيل بيسوع اليهودي»، قائلاً: «سوف يسمع اليهود الإنجيل المقدّم إليهم بلغتهم الأصليّة... لقد التزمنا عقداً مدّته سبع سنوات».

أهداف سيمبسون أحبطها وزير الاتصالات الإسرائيلي، ديفيد إمسالم، بحظر القناة، والسبب كما قال الأخير في «تويتر»، «لن نسمح لأي قناة تبشيرية بالعمل في إسرائيل في أي وقت وبأي حال»، الأمر الذي ردّ عليه سيمبسون بأنه «واثق بالسماح للقناة بالبثّ بعد التحقيق... آخر ما نريده هو التسبّب في مشكلات». في النتيجة، أقرّت «HOT» الإسرائيلية «التزامها القانون»، وأنها ستتصرّف «بناءً على ما تخلص إليه التحقيقات التي فتحتها سلطة البث الإسرائيلية ضد شيلانو، إثر تقديم إحدى الجمعيات اليهودية الأرثوذكسيّة شكوى ضدّها».
القائمون على القناة هم إنجيليون تبشيريون، وهؤلاء أتباع العقيدة الدينية نفسها للقساوسة الإنجيلييين من الذين جلسوا في الصف الأول مصفّقين للرئيس دونالد ترامب وهو يربت على كتف صديقه بنيامين نتنياهو لحظة الإعلان من البيت الأبيض عن «صفقة القرن». هؤلاء أيضاً يشكلون قاعدة انتخابية مهمة لترامب (80% منهم صوّتوا له في الانتخابات) ويتمتعون بنفوذ واسع في الولايات المتحدة، كما أن عشرات الجمعيات التي يديرونها تتبرّع للمنظمات الصهيونية الدينية في فلسطين المحتلة، إذ يشجعون السياسات الإسرائيلية من منطلقات قائمة على عقيدة «التدبير الإلهي».
فحوى العقيدة الراسخة في المسيحية المتشدّدة تفيد بأن ثمة «تدابير إلهية» سيعقبها «دمار كوني»، وهي أحداث معيّنة يُفسرها الإنجيليون التبشيريون أنها «بداية نهاية العالم وعودة المسيح لبناء المعبد اليهودي في القدس واستعادة دولة إسرائيل من اليهود». تبدّت هذه الحوادث للتبشيريين في نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، واعتراف واشنطن بالأخيرة «عاصمة لدولة إسرائيل». هنا قد يحضر مشهد وقوف القس الأميركي روبيرت جيفرس على المنصة في حفل افتتاح السفارة، قبل عامين بالتحديد، حين بارك الافتتاح. وبرغم أن جيفرس يؤمن بأن «اليهود لن ينجوا من الدمار إلا باعتناقهم المسيحيّة»، فإن دعم الإنجيليين لإسرائيل لا يمكن تفسيره كدفاع عن اليهودية، وإنما ولاء لسياسات إسرائيل التي تمهّد في نظر هؤلاء ــ كجزء من «التدبير الإلهي» ــ لنهاية العالم ومجيء المسيح.

مثلاً يتضمن كتاب «المعرفة» لبن ميون عداء وكراهية ضد المسيحيين


كل هذا في كفّة، والعداء الذي تكنّه اليهودية الكلاسيكيّة (الأرثوذكسيّة والقبالية حالياً، التي تُعد الامتداد المباشر لها) للمسيحيين في كفّة أخرى. لعلّ حظر القناة مناسبة مهمة للتذكير بجذور هذا العداء، مع أنه قد يبدو صعباً عند الحديث عن اليهودية بصفتها ديانة فصلُها عن الصهيونية (التي جسّدت في محاولة إعادة اليهود إلى المجتمع الشمولي المغلق). الدليل كما يشرح الباحث الإسرائيلي الراحل يسرائيل شاحاك أن «هناك اعتبارات سياسيّة واستراتيجية أثّرت في حكّام إسرائيل. مع ذلك، السياسات الفعليّة التي مارسها هؤلاء كانت محطة تفاعلت فيها الاعتبارات الواقعيّة والمؤثرات الأيديولوجية الدينيّة».
في كتابه «التاريخ اليهودي الديانة اليهودية: وطأة ثلاثة آلاف سنة»، يستحضر شاحاك خطاب رئيس الوزراء الراحل ديفيد بن غوريون في الكنيست يوم «حرب السويس»، حين قال: «هذه الحرب من أجل إعادة مملكة داوود وسليمان إلى حدودها التوراتيّة»، علماً أن بن غوريون كان ملحداً ويسخر من تعاليم الديانة اليهودية. يعود الباحث ليذكّر أنه «بسبب أن المؤثرات الأيديولوجيّة الدينية هي أمور بديهية ومسلّمٌ بها (للغرب) لم تؤخذ عادة في الحسبان أو لم يُركز على السياسات التمييزيّة بحق غير اليهود (في فلسطين المحتلة وغيرها)». ثم يضيف مبرّراً وقوف الغرب (خاصة الولايات المتحدة) بجانب إسرائيل أنه ليس بسبب تقاطع المصالح الاستراتيجية فقط، وإنما «عملية تضليلية مورست ضدهم».
كيف ذلك؟ يقول الكاتب: «بعد احتلال فلسطين واستشعار الحاخامات بالأمان، مارس هؤلاء عملية تضليلية معقّدة استهدفت الغرب ومجتمعاتهم؛ في النسخ المترجمة من التوراة والأدب التلمودي استُبدلت التعابير العدائية ضد المسيحيين خاصة بكلمات مخفّفة، أو بكلمات مستوحاة من اللغة اليديشية لكن لا تعني للقارئ الغربي معنى محدداً وواضحاً». فمثلاً كتاب «المعرفة» (من الأدب التلمودي)، لراف موشي بن ميمون، يتضمن مفردات مثل «يتوجب إبادة يسوع الناصري وتلامذته»، وبعد كل كلمة «مسيح» ذُكرت في هذا الكتاب بنسخته العبرية أُتبعت دوماً بـ«فليمحَ ذكر الشرير وتلامذته»، وعندما ترجم إلى الإنكليزية استُبدلت «إبادة ومحو» بـ«ينبغي التعامل معهم بحزم».
في الصورة العامة، تُضمر اليهودية عداءً واضحاً لكل الأغيار (غير اليهود)، خاصة المسيحيين، لإيمانها أن «الأغيار لا أهمية من وجودهم سوى خدمة اليهود»، كما أن المتشدّدين لا يزالون إلى اليوم يحرقون كل نسخة من «الإنجيل» تصل إلى أيديهم. ويمكن إيجاد مئات السلوكات المشابهة التي تُمارَس كجزء من العبادة الدينية، وكلها تحدث عنها شاحاك، موثّقاً إياها بعشرات المصادر والأدلّة في كتابه الصادر عام 1984. برغم أن هذه ليست أموراً خفية بل منشورة منذ عقود، فقد تشكل مسألة حظر التبشير في إسرائيل نقطة للتذكير بذلك.