لم تبخل إدارة دونالد ترامب في تقديم أشكال الدعم كافة لتايوان أو (جمهوريّة الصين)، وتحويلها أداة من أدوات مواجهة بكين. الجزيرة المتمرّدة، تُعدُّ منذ وقت طويل إحدى بؤر التوتّر في العلاقات بين البلدين، لكونها، أولاً، ورقة تستخدمها الولايات المتحدة بنحو متواصل لاحتواء الصين، ولتعزيز نفوذها المتنامي في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، وثانياً، دعمُ الإدارة الحالية تجلّى في جملة قوانين أقرّها الكونغرس بين عامي 2018 و2020، يشجّع الأول على تبادل الزيارات بين المسؤولين الأميركيين ونظرائهم في تايوان، بينما يؤكّد الثاني التزام واشنطن حيال الجزيرة، عبر تطبيق «قانون العلاقات مع تايوان» الذي أُقرّ بعد فترة وجيزة من انتهاء الحلف الرسمي، جنباً إلى جنب الوجود العسكري الأميركي في تايبيه، في عام 1979. يضاف إليهما آخر يجعل الدعوة إلى ضمّ تايوان إلى المنظمات الدولية سياسة أميركية. وفاقمت هذه المسألة التوتر الصيني - الأميركي بعد قرار واشنطن، العام الماضي، بيع حليفتها عتاداً عسكرياً بقيمة ملياري دولار، لتعزيز قدراتها الدفاعية في وجه بكين.

مثّل حفل تنصيب رئيسة تايوان، تساي إنغ وين، لولاية ثانية، يوم أمس، مناسبة لنزال جديد، يضاف إلى اشتغال إدارة ترامب على تحميل الصين، جنباً إلى جنب منظمة الصحة العالمية، مسؤولية تفشّي الوباء. فقد سارع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إلى الإشادة بـ«شجاعة ورؤية» الرئيسة بعد يوم من تنديده بالمنظمة الأممية لاستبعادها تايبيه من جمعيتها السنوية. الحماسة الأميركية لاستفزاز الجمهورية الشعبية، ردّت عليها وزارة الدفاع الصينية التي رأت في تصريحات بومبيو خطوة «خاطئة بل وخطيرة للغاية... تضرّ بشكل خطير بالسلام والاستقرار في مضيق تايوان»، محذّرة من أن لدى «جيش التحرير الشعبي الرغبة والثقة والقدرة على هزيمة أي شكل من أشكال التدخّل الخارجي وخطط قوات استقلال تايوان الانفصالية». في هذا الإطار، يشكّك مدير برنامج آسيا في «مركز وودرو ولسون الدولي للعلماء»، أبراهام دنمارك، في أن تكون الصين قلقة من التصريحات الأميركية في هذه المرحلة، خصوصاً بعدما نجحت في إبقاء تايوان خارج منظمة الصحة، فيما خففت من وطأة الانتقادات ضدّها عبر موافقتها على إجراء المنظمة تحقيقاً في شأن مصدر الوباء. ويرى أن «الخطر يكمن في أن تبدأ واشنطن أو بكين برؤية تايوان من زاوية منافستهما الاستراتيجية المحتدمة»، ما سيؤدّي إلى «عدوانية أكبر من قِبَل بكين ضدّ ما ترى أنه محاولات واشنطن استخدام مسألة تايوان لتقسيم جمهورية الصين الشعبية، وإضعاف الحزب الشيوعي الصيني، واحتواء صعود الصين».
وحقّقت تساي وحزبها «الديموقراطي التقدّمي» فوزاً ساحقاً في انتخابات كانون الثاني/ يناير الرئاسية والبرلمانية، بناءً على تعهُّدها بالتصدّي للصين. الرئيسة التي ترفض الاعتراف بمبدأ «الصين الواحدة» وتحذِّر من أن الجزيرة لن تقبل بمبدأ «دولة واحدة ونظامين» المطبّق في هونغ كونغ وماكاو، شدّدت في خطاب لمناسبة تنصيبها لولاية ثانية وأخيرة، أنه سيكون على بكين أن تجد طريقة للعيش بسلام جنباً إلى جنب تايوان ديموقراطية، لن تقبل قطّ بالخضوع للحكم الصيني، مجدّدة دعوتها إلى الرئيس الصيني، شي جين بينغ، للتحاور والعمل معها لتخفيف التوتر. وكرّرت مقولتها بأنه لا يمكن تايبيه القبول بأن تكون جزءاً من الصين بموجب مبدأ «دولة واحدة بنظامين» للحكم الذاتي، فاتحةً الباب أمام مزيد من التأزم في العلاقات. من جهتها، أكّدت بكين أن «إعادة التوحيد حتميّة تاريخية لإحياء الأمة الصينية»، وإنها لن تتهاون أبداً في مسألة استقلال تايوان. ونقلت وكالة أنباء «الصين الجديدة» عن الناطق باسم مكتب شؤون تايوان، ما شياوغوانغ، قوله «لدينا القدرة الكافية للدفاع عن السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، ولن نتسامح إطلاقاً مع أي أنشطة انفصالية أو أيّ تدخّل لقوى أجنبية في سياسات الصين الداخلية»، لافتاً إلى أن الصين مستعدة «لإفساح المجال بشكل كبير لإعادة التوحيد بشكل سلمي»، لكنها «لن تترك أي مجال لأي شكل من أشكال الأنشطة التايوانية الانفصالية الاستقلالية».