تخلّى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن سلوك «الطريق المختصرة» لاحتواء التظاهرات، بقراره التراجع عن مشروعه استدعاء الجيش لإنهاء الحركة الاحتجاجية المستمرّة منذ ما يقرب مِن أسبوعين. فرمَل اندفاعته الاعتراض الشديد الذي أبداه البنتاغون على خطّته. اعتراضٌ عبّر عنه وزير الدفاع مارك إسبر، ومعه رئيس هيئة الأركان مارك ميلي، القلقان مِن تسييس أزمة «لا تقع معالجتها ضمن نطاق اختصاص» الجيش. «انقلاب» إسبر ــــ ميلي بدا مُلحّاً، وإن كان ثمنه الاستغناء عن أحدهما، إذ شكّل وقوف الرجلين جنباً إلى جنب الرئيس، حاملاً الإنجيل لالتقاط صورة أمام كنيسة سانت جون، وعدم اعتراضهما على تفريق التظاهرة بالقوّة أمام البيت الأبيض، إحراجاً للمؤسسة العسكرية.

الطريق الأقصر إلى الحلّ اختفى، وكذلك تهديد ترامب بنشر الجيش في المدن الأميركية لإخماد الاضطرابات. مساء أول من أمس، قرّر دونالد ترامب أن الوضع لا يقتضي نشر القوات العسكرية الاتحادية في المدن: «لا أعتقد أنّنا سنضطر إلى ذلك»، لكّنه، مع ذلك، أكّد أن «الأمة في حاجة إلى النظام والقانون... هناك مجموعة سيئة من الناس يتذرّعون بجورج فلويد ويستخدمون الكثير من الأشخاص الآخرين لمحاولة القيام ببعض الأشياء السيئة». تراجَع الرئيس الأميركي بعدما نأى وزير الدفاع بالمؤسسة العسكرية عن طروحاته، وقال إنه يواجه تحدياً كبيراً في محاولة الحفاظ على وضعه بعيداً عن السياسة، في ظلّ اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية. هذا التباين بين البيت الأبيض والبنتاغون أثار تكهّنات في شأن احتمال لجوء ترامب إلى خيار إقالة إسبر، إلّا أن مسؤولاً كبيراً في وزارة الدفاع رفض فكرة وجود أيّ خلاف بين المؤسّستين، وقال في حديث إلى «واشنطن بوست»: «تتطابق تعليقات الوزير بوضوح مع وجهة نظر الرئيس القائلة بأن هذه القوات يجب ألّا تستخدم إلّا في ظروف قاسية، ولحسن الحظ، نظراً إلى جهود الرئيس في حثّ الحكّام ورؤساء البلديات على تكثيف جهودهم، فنحن لسنا في واحدٍ من هذه الظروف راهناً». وفيما أكّد مسؤولون آخرون أن تصريحات إسبر أحبطت الرئيس، وأن الأخير نُصح بعدم طرد وزير الدفاع، نفت الناطقة باسم البيت الأبيض، كايلي ماكيناني، علمها بموقف الرئاسة مِن التصريحات التي أدلى بها إسبر في شأن رفضه تطبيق «قانون التمرّد» لعام 1807، مؤكدةً أنه «إذا فقد الرئيس ثقته بالوزير، فستكونون أول من يعلم بذلك... حتى الآن، الوزير إسبر لا يزال وزيراً للدفاع». وفي حالة إقالته، ينضم الوزير الحالي إلى سلفه جيمس ماتيس الذي استقال مِن منصبه نهاية عام 2018، احتجاجاً على طرح فرضيّة سحب قوّات بلاده مِن سوريا.

حضّت عائلة فلويد الأميركيين على الاستمرار في رفع أصواتهم للمطالبة بالتغيير بطرق سلمية

ماتيس الذي آثر الصمت منذ استقالته، شن هجوماً غير مسبوق على الرئيس، متهماً إياه بالسعي إلى «تقسيم» الولايات المتحدة. واعتبر أنّ «دونالد ترامب هو أول رئيس في حياتي لا يحاول توحيد الأميركيين، بل إنه حتّى لا يدّعي بأنّه يحاول فعل ذلك... بدلاً من ذلك، فإنه يحاول تقسيمنا». ولم يتأخّر ترامب عن الرد، مرسلاً تغريدة وصف فيها ماتيس بأنه «الجنرال الذي يحظى بأكبر تقدير مبالغ به في العالم». وكتب: «ربما كان الشيء الوحيد المشترك بيننا وبين (الرئيس السابق) باراك أوباما هو أننا تشرّفنا بطرد جيم ماتيس» (أقال أوباما ماتيس من قيادة القيادة المركزية في 2013 بسبب مواقفه البالغة التشدُّد حيال إيران).
وفي الساعات الأولى من صباح يوم أمس، انحسرت الاحتجاجات التي تشهدها الولايات المتحدة، بعدما وجّه المدعي العام لولاية مينيسوتا، كيث إليسون، اتهامات جنائية جديدة لضباط شرطة مدينة مينيابوليس الأربعة المتهمين بقضية قتل جورج فلويد. ديريك شوفن، الشرطي الذي خنق الرجل الأربعيني بركبته، وبعدما أعيدت صياغة الاتهامات الموجهة إليه، اتهم بجريمة قتل من الدرجة الثانية، أي «القتل عن غير سابق تصميم»، والتي يعاقب عليها القانون بالسجن 40 عاماً. أما الشرطيون الثلاثة الآخرون، فيلاحقون بتهمة المساعدة والتحريض على ارتكاب جريمة القتل. وكان توقيف الشرطيين الأربعة في صلب مطالب الحركة الاحتجاجية المناهضة لوحشية الشرطة والعنصريّة. وفي بيان شكرت فيه المتظاهرين، وصفت عائلة فلويد التوقيفات والاتهامات الجديدة بأنها «لحظة عزاء رغم الحزن» و«خطوة مهمّة في مسار العدالة». وحضّت العائلة الأميركيين على الاستمرار في «رفع أصواتهم للمطالبة بالتغيير بطرق سلمية». لكنّ كثراً رحبوا بقرار الادعاء باعتباره «تطوراً مشجعاً» ضمن صراع أوسع، بينما قال بن كرومب، محامي العائلة: «هذه خطوة مهمَّة إلى الأمام على طريق العدالة، ويسعدنا أن هذا الإجراء المهمّ قد تم رفعه قبل دفن جثة جورج فلويد».
هذا التطوّر، وإن كان متوقّعاً، سيبيِّن في مقبل الأيام، ما إذا كانت الحركة الاحتجاجية قد نضجت لتتجاوز هذه الجريمة إلى ما هو أكبر وأعمق مِن قتل رجلٍ أعزل في وضح النهار، أي طرح إشكالية العنصرية المترسِّخة منذ قرون في المجتمع الأميركي والضغط لمعالجتها (وإن في النصوص التي لا تُجرِّم حتّى خطاب الكراهية)، أم أنّها مجرَّد جولة ستنتهي على غرار سابقاتها، في انتظار جريمة جديدة تهزّ أميركا، وإن كانت حسابات الانتخابات الرئاسية غير بعيدة، ما قد يفرض استغلالاً أمثل لما يجري على الأطراف.