باريس | منذ حوالى عشرة أيام، تشهد الولايات المتحدة موجة احتجاجات قوية تترافق أحياناً مع أعمال شغب إثر قيام عناصر من شرطة مدينة مينيابوليس بقتل المواطن الأميركي الأسود جورج فلويد خنقاً. لقد رأى المشاهدون عبر العالم وقائع ما يشبه الانتفاضة في العديد من المدن الأميركية. لا يستطيع أي إنسان عاقل أن ينكر الطابع العنصري المشحون بالكراهية للسود لهذه الجريمة، التي ليست الأولى بكل تأكيد. جميعنا يذكر الجرائم التي سبقتها والتي قادت إلى إنشاء حركة «حياة السود مهمّة». في باريس وأنحاء فرنسا، كان للتطورات المرتبطة بقتل جورج فلويد أصداء واسعة. وبمبادرة من لجنة آداما تراوري، الشاب ذي الأصول الإفريقية الذي قتل هو الآخر خنقاً من قبل الشرطة الفرنسية، نظمت عدة تظاهرات في مدن كليون وليل (2000 متظاهر في كل منهما)، لكن التظاهرة الأكبر تمّت في باريس مع 30 ألف متظاهر أمام قصر العدل الجديد. غالبية المتظاهرين كانوا شباناً عرباً أو سوداً أتوا من الضواحي الفقيرة وانضم إليهم شبان بيض. كيف يمكن تفسير ذلك؟

لا شك أن الغضب العارم في المدن الأميركية الذي شاهده هؤلاء في نشرات الأخبار كان له دور في تحفيز تضامنهم وحتى تماهيهم مع إخوانهم الملوّنين عبر الأطلسي. لكن الأمر لا يقتصر على ذلك. فكراهية السود والعرب والغجر والمسلمين في فرنسا هي وقائع عنيدة يحاول السياسيون من مختلف الاتجاهات تجاهلها، لكنها سرعان ما تعود إلى واجهة الأحداث. يقرّ السياسيون بوجود مسألة اجتماعية وفوارق ضخمة في توزيع الثروة كما في بلدان أخرى من الكوكب، وحتى بخطر حزب عنصري مثل «التجمع الوطني»، لكنهم ينكرون حقيقة المسألة العرقية في فرنسا، الشبيهة بتلك القائمة في الولايات المتحدة! وتتعرض القوى والشخصيات التي تحذّر من مغبة التغاضي عن هذه العنصرية المستشرية لهجوم حاد واتهام بتبني قراءة منحازة «تسقط» على الواقع الفرنسي أحداثاً ومجريات «غريبة عنه».
لكن العنف البوليسي المدفوع بكراهية السود والعرب والغجر ليس اختراعاً، حتى ولو لم يؤدّ إلى عدد مماثل للضحايا الذين يسقطون في الولايات المتحدة. فزياد وبونا، وعلي زيري، ولحسين آيت أمغار، وأحمدو كومي، وباباكار غايي، وآداما تراوري، وأنجلو غاران، هم جميعهم من الملونين الذين قتلوا رمياً بالرصاص أو خنقاً أو حتى دهساً بالسيارات من قبل الشرطة الفرنسية. وفي السنوات الـ 40 الأخيرة، وصل عدد ضحايا الشرطة من الملوّنين إلى معدل 15 شخصاً سنوياً، إضافة إلى عشرات الجرحى ومئات عمليات الاعتقال بحجة إهانة الشرطة. وإذا حصلت تحقيقات في هذه الجرائم، وفي العديد من الحالات لم تحصل، فإن المحاكمات الطويلة والمكلفة كثيراً ما تتمخّض عن تبرئة المتهمين بين عناصر الشرطة. عطفاً على ذلك، فإن وسائل الإعلام الرئيسية تهب عادة لنجدة الشرطة «الجمهورية»، ونادراً ما تعكس وجهة نظر عائلات الضحايا. ومع توالي التصريحات العنصرية للسياسيين ضد السكان من ذوي الأصول المهاجرة، المسؤولين بنظرهم عن كل شرور العالم، وتضييق الخناق عليهم من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة، وبعضها معروف بشراسته المنقطعة النظير، كقوات مكافحة الجريمة، وتكاثر عمليات التدقيق بالهويات في الأماكن العامة، التي من الممكن أن تتكرّر 3 أو 4 مرات يومياً مع أي شاب من الأحياء الشعبية، تصبح مدن الضواحي وأحياؤها أشبه بمدن البلدان الخاضعة للسيطرة الاستعمارية حيث القاعدة السائدة، لا الاستثناء، هي الانقسام العرقي. شريحة متعاظمة من الشبان العرب والسود أضحت تعتبر أن مبدأ المساواة «الجمهوري» هو مجرّد وهم لأنهم يواجهون يومياً أشكالاً مختلفة من الظلم والتمييز. وهم مدركون أن القتل على يد الشرطة هو نهاية مطاف لمسار طويل من الإقصاء التدريجي، يبدأ من المدارس في الأحياء الشعبية التي تفتقر إلى الحد الضروري من الإمكانات للقيام بدورها والتي ترتفع فيها حالات الفشل المدرسي، مروراً بالتمييز في سوق العمل، حيث تصل بطالة الشبان العرب والسود إلى أربعة أضعاف بطالة البيض، وصولاً إلى استحالة حصول شاب أسود على سكن للإيجار في وسط أي مدينة. علينا أيضاً أن لا ننسى كراهية الإسلام المتفشية في هذا البلد، والتي يغذيها اليمين المتطرف، وكذلك اليمين واليسار، باسم علمانية محرّفة تصنف المسلمين كطابور خامس، وينجم عنها نمو ظاهرة إرهابية محلية ضدهم. وقد تزايدت في الآونة الأخيرة كتابة الشعارات المهينة على جدران المساجد أو تدنيسها من خلال رمي رؤوس خنازير فيها وكذلك تحريض وسائل الإعلام على أئمة مساجد وتحذيرات الرسميين الفرنسيين من التهديد الإسلامي للمرتكزات الثقافية للبلاد. ستجرى في الأيام المقبلة تظاهرات أخرى لأجل جورج فلويد وآداما تراوري وجميع ضحايا العنصرية المؤسسية وسيشارك الشبان السود والعرب فيها بكثافة دون أدنى شك لأنها تهدف أيضاً إلى الدفاع عن حقهم بمستقبل أفضل.

* عضو قيادة «السكّان الأصليين في الجمهورية»