ديترويت | شكَّل مقتل جورج فلويد، إلى جانب ارتفاع نسب البطالة في الولايات المتحدة مِن جرّاء تدابير مكافحة الوباء، حافزاً لانتفاض ملايين الأميركيين في وجه وحشية الشرطة والعنصرية والإخفاقات الجارفة للإمبريالية.

لم تشهد الولايات المتحدة، منذ اغتيال مارتن لوثر كينغ، انتفاضةً بهذا الحجم. سلسلة الاحتجاجات لعام 1968 امتدّت لتغطّي أكثر من 100 مدينة أميركية، ولكنها انتهت بمقتل أكثر من 40 شخصاً وجرح 2,500 آخرين، واعتقال ما يزيد على 15 ألف معتقل، فيما قُدِّرت الأضرار التي لحقت بالممتلكات بأكثر من 12 مليون دولار.
الانتفاضة التي تشهدها البلاد اليوم، شملت كلّ مدن أميركا. وفي حين تصبح الاحتجاجات شائعة بعد عمليات القتل على أيدي الشرطة، إلا أنها تبقى غالباً خارج عدد من المدن الكبرى، وتتلاشى بعد يوم أو اثنين، ولا تُلحق أضراراً في الممتلكات، فضلاً عن أنها لا تنطوي على هذا المستوى المتزايد من القمع الوحشي الذي تمارسه الدولة راهناً.
يبدو جلياً أن الاحتجاجات التي انطلقت على خلفية مقتل جورج فلويد مختلفة إلى حدٍّ كبير؛ فالريف الأميركي النائم، مثل: أوكلاهوما وكنساس وإيداهو، صنَع انتفاضته على غرار مدن مثل نيويورك وديترويت ولوس أنجلس، حتى فاق حجم الحركة الاحتجاجية تلك التي قادها مارتن لوثر كينغ في ستينيات القرن العشرين بأربعة أضعاف، إذ انتشرت في أكثر من 400 مدينة وبلدة في جميع الولايات الخمسين، وبورتوريكو المحتلة.
لغاية كتابة هذه السطور، كان عدد المعتقلين، وفق الأرقام الرسمية، قد بلغ 9,300 شخص (يرجّح أن الرقم الفعلي أكبر بكثير)، فيما بلغ عدد القتلى أكثر من 24، ولكن مرّة أخرى، مِن المؤكد أن الرقم أعلى بكثير.

لماذا جورج فلويد، ولماذا الآن؟
رغم أنّهم يشكّلون 13% (فقط) مِن سكان الولايات المتحدة، فإن احتمال وفاة الأميركيين السود على أيدي الشرطة، أعلى بـ2.5 مرّات. كذلك، فإن الشرطة لا تتعرّض لأيّ مساءلة في شأن عمليات القتل العنصرية بدم بارد: أقل من 1% من عناصر الشرطة الضالعين بعمليات قتل، متّهمون بارتكاب جريمة، أما المدانون فأقل من ذلك بكثير.
جورج فلويد لم يكن أوّل رجل أسود يُقتل على أيدي الشرطة، و(للأسف) لن يكون الأخير، ما لم تدفع الانتفاضة نوعاً مِن تغيير مؤسسي واسع النطاق. مع ذلك، فإن الطريقة الصاخبة لوفاته (توفي خنقاً بعدما جثا شرطي بركبته على رقبته لمدة ثماني دقائق، بسبب جريمة مزعومة متمثلة في تزوير شيك بقيمة 20 دولاراً)، يمكن النظر إليها كاستعارة للفشل الأوسع للرأسمالية، والذي تضاعف من جرّاء وباء «كوفيد-19».
فقدان الوظائف بسبب «كوفيد-19» يقدّم صورة واضحة عن إخفاقات الرأسمالية والخصخصة
قدّم 42 مليون عامل أميركي طلبات إعانة بطالة منذ بدء انتشار الوباء، ما خلق أكبر زيادة في معدّل فقدان الوظائف منذ الكساد الكبير. وهذه مجرَّد أرقام رسمية - ملايين آخرين، إما غير مؤهلين للحصول على إعانات البطالة، أو ببساطة لم يتمكّنوا من تقديم الطلبات بسبب الضغط على الخوادم المثقلة... وهناك نحو 30 مليون أميركي - وأنا منهم - لا يحصلون على أيّ شكلٍ من أشكال التأمين الصحي، بسبب عقودٍ مِن الخصخصة.

رأيتُ بأمّ عيني متظاهرين سلميين يتعرّضون للضرب على أيدي الشرطة بلا سبب


في ديترويت مثلاً، يفتقر آلاف السكان الفقراء -معظمهم من السود - إلى وجود مياه جارية. هؤلاء لا يمكنهم حتى غسل أيديهم لمنع العدوى. كما تم إبعاد السكان السود المصابين بالفيروس عن المستشفيات في ميشيغان، ما جعل ديترويت مركز الوباء في الولاية. ويزداد الوضع سوءاً لدى معرفة أن الملايين من العمّال الأميركيين، غير قادرين على دفع إيجار مساكنهم أو مدفوعات الرهن العقاري. وقد بدأ التعليق الاختياري لعمليات الإخلاء بحسب الولاية، في فترة الإغلاق. وتستعد المحاكم المحلية إلى موجة جديدة من عمليات الإخلاء.
حتى قبل الارتفاع غير المسبوق لنسب العاطلين مِن العمل مِن جراء الجائحة، عاش معظم العمّال الأميركيين مِن أجرٍ إلى آخر، من دون مدخرات طارئة: 40% من هؤلاء لا يملكون 400 دولار مدخرات لتغطية نفقات الطوارئ، مثل إصلاح السيارات أو الفواتير الطبية.
مثّلت المساعدات الطارئة التي حصل عليها الأميركيون بقيمة 1,200 دولار للبالغين، صفعة لهؤلاء. بالنسبة إلى معظمهم، لا يكفي هذا المبلغ لتغطية إيجار شهر واحد في مدينة كبيرة، ناهيك عن الكهرباء والمياه ومحالّ البقالة وغيرها من الأساسيات.
وبينما تعاني الطبقة العاملة من الإخفاقات الاقتصادية للرأسمالية، فإن العمّال السود يواجهونها في أسوأ أشكالها. سئم مواطنو هذا البلد من فشل الرأسمالية، وما خلفته من تفاوت متزايد. البطالة الواسعة الانتشار معطوفةً على مقتل جورج فلويد، خلقا عاصفة مثالية للأميركيين للانتفاض، لا يشبه أي شيء رأيناه في هذه الحياة.
لا أحد يعمل، والحكومة الفدرالية لم تقدّم أي دعم للعمّال؛ بدلاً من ذلك، اختارت إنقاذ الشركات، وبورصة وول ستريت، بتريليونات الدولارات. ماذا يمكن للعمّال أن يفعلوا غير النزول إلى الشارع للاحتجاج؟

«قنابل الخارج تنفجر في الداخل» - مارتن لوثر كينغ
الإمبريالية في الخارج دائماً ما ترفع رأسها داخل الإمبراطورية، وخصوصاً في أوقات الاضطرابات أو الانهيار المحتمل.
لعقود، مثّل مجمع السجون الصناعي داخل الولايات المتحدة شكلاً من أشكال الرقّ المُقنّن. الشرطة المدججة بالسلاح تشبه جنود مشاة يخدمون على خط الجبهة. يقول منظّم مجتمع السود الأميركيين والاستراتيجي المناهض للعنصرية، ديسموند أبرامز، في حديث إلى «الأخبار»، إن «الحكومة الأميركية في حالة انهيار بطيء منذ أجيال، فهي تستثمر في السجون والشرطة للسيطرة على سكان يهانون ويذلّون داخل حدودها».
أموال الضرائب التي يتم ابتزازها من العمّال الأميركيين، لا تُصرف على الرعاية الصحية أو خلق فرص عمل مستدامة ولا تُصرف على التعليم أو موارد المجتمع، بل إنها تموِّل الإمبريالية في الخارج والشرطة العسكرية هنا في الداخل. جرى تجهيز كلّ قسم شرطة محلّي يواجه المتظاهرين، بالمعدات العسكرية، مثل الدبابات والدروع وقاذفات القنابل والأسلحة الكيميائية والقنابل اليدوية وبنادق القناصة وما إلى ذلك. هذه الأسلحة والمعدات العسكرية فقط؛ إذ غالباً ما تتدرّب قوات الشرطة الأميركية في الكيان الصهيوني، حيث تتعلّم التكتيكات العنيفة من الجيش الإسرائيلي. من الشائع أيضاً أن تستخدم الشرطة المحلية تكتيكات ومعدات المراقبة العسكرية، وخصوصاً ضدّ المنظّمين والناشطين المفوّهين.
ليس مستغرباً أن تؤدي الانتفاضة الضخمة أيضاً، إلى عنف غير مسبوق برعاية الدولة ضدّ المتظاهرين. في المدن الأميركية، لم تستخدم الشرطة الغاز المسيّل للدموع والرصاص المطاطي لإنهاء أعمال الشغب، بل للتحريض على هذه الأعمال. وشهدت الانتفاضة الآخذة في الاتساع، قيام الشرطة بالهجوم على المتظاهرين السلميين بالضرب والغاز المسيل للدموع والقنابل اليدوية والرصاص المطاطي، حتى قبل أن يبدأ حظر التجوال، في محاولة للتشجيع على تدمير الممتلكات. رأيت بأمّ عيني العديد من المتظاهرين السلميين يتعرضون للضرب من قبل الشرطة بلا سبب.
شاركت في كل احتجاج سلمي تقريباً، شرطة سرّية حرصت على تزخيم العنف في الشارع، إن كان عن طريق تحطيم النوافذ أو تخريب الأرصفة، أو تدمير سياراتهم الخاصة. حتى وقت كتابة هذا التقرير، تم نشر أكثر من 17 ألف جندي من الحرس الوطني مجهزين بالذخيرة الحية في المدن الأميركية الرئيسة: عدد القوات الأميركية العاملة في سوريا وأفغانستان والعراق.
الشرطة والحرس الوطني لا يقودان هجوماً ضد المتظاهرين فحسب، بل يهاجمان أيضاً الصحافيين والمراقبين القانونيين. على الورق، تم اعتقال حوالى 20 صحافياً، فيما تعرّض 100 آخرون على الأقل للضرب أو قنابل الغاز المسيل للدموع، أو الرصاص المطاطي.
وفي مينيابوليس، أصيبت صحافية في وجهها بعيار مطاطي، وفقدت عينيها. ظهرت قصص مماثلة في ديترويت وواشنطن العاصمة والعديد من المدن الأميركية. وأثارت الانتفاضة أيضاً، الميليشيات اليمينية وجهات فاعلة أخرى يمكن أن تعمل كقوات شبه عسكرية، في حال فشل القمع الذي ترعاه الدولة في إنهاء الاحتجاجات.
في ديترويت، أطلقت سيارة النار على المتظاهرين، ما أسفر عن مقتل مراهق. أما في مدن أخرى، فحاولت الشاحنات الصغيرة ومركبات أخرى دهس المتظاهرين السلميين.

هل ستقود الانتفاضة إلى تغيير مؤسّسي؟
في مينيابوليس، تمكّن المتظاهرون من تجاوز منطقة للشرطة، ما أجبر الضباط على الفرار. يدعو مجلس المدينة الآن إلى حل قسم الشرطة تماماً لصالح السلامة العامة. أنهت مدارس ومتنزهات مينيابوليس بالفعل علاقاتها المهنية مع قسم شرطة المدينة. وفي هذا الصدد، يمكن الاحتجاجات أن تكون بمثابة محفّز لإعادة هيكلة السلامة العامة في جميع أنحاء البلاد.
تظهر الاحتجاجات التاريخية أيضاً موجة من المشاعر المعادية للرأسمالية والنيوليبرالية. بعد اعتقال طاقم قناة «سي إن إن» في مينيابولس، دمّر المتظاهرون مقرّ القناة في أتلانتا، موجّهين رسالة تقول: «نحن نعلم أنك لست إلى جانبنا أيضاً». وفي أتلانتا أيضاً، قام المتظاهرون بتوبيخ مراسل «إن بي سي» لتصويرهم على أنهم إرهابيون.
في مينيابوليس أيضاً، دمّر المتظاهرون متجر «تارغت». لكن هذا لم يكن مجرّد متجر. تم وضع هذا الهدف بشكل استراتيجي في مكان في المدينة حيث الدخل منخفض، بهدف اختبار تقنية التعرّف إلى الوجه والمراقبة التي تشترك فيها سلسلة البيع بالتجزئة مع الشرطة.
لكن، رغم القمع الذي ترعاه الدولة، تستمر الاحتجاجات في جميع أنحاء الولايات المتحدة. من غير الواضح في هذه المرحلة كيف ستؤثر هذه الانتفاضة التاريخية في المسار الاجتماعي والاقتصادي الطويل المدى لأميركا. مع ذلك، فإن روح الشعب حيّة ومتلهّفة لتغيير مؤسّسي واسع النطاق.