صدر الحكم بالإعدام بحقّ الإيراني محمود موسوي ــ مجد على خلفية إدانته بتهم متعددة أبرزها العمل لمصلحة «وكالة الاستخبارات الأميركية» (CIA) و«الاستخبارات الإسرائيلية» (الموساد)، وذلك لتقديم معلومات عن القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «حرس الثورة»، الشهيد قاسم سليماني. القضية بدأت قبل عام ونصف عام حين ألقت استخبارات الحرس القبض عليه، علماً بأنه صدر بحقه الإعدام غير مرة لكنه دائماً يستحصل على استئناف، وهذا ما أخَّر الحكم النهائي الذي قضت به محكمة ثورية وأيّدته «العليا». المتحدث باسم السلطة القضائية في الجمهورية الإسلامية، غلام حسين إسماعيلي، أكد أن موسوي ــ مجد قد كشف سابقاً عن «مكان الشهيد سليماني لأعدائنا»، مشيراً إلى أنه عمل على نقل معلومات أمنية إلى «CIA» عن المراكز الأمنية للحرس والقوات المسلحة، ولا سيما «قوة القدس»، وعن عملهم في سوريا. وفق المعلومات، استفاد الأميركيون والإسرائيليون من الرجل جيداً خاصة أنه عمل سابقاً ضمن قوات الحرس وخدم في سوريا لمدة، حيث تم إسقاطه هناك، بعدما تواصل معه الأميركيون وعملوا على تجنيده مقابل أموال. ولذلك، طُلب منه الكثير، وخاصة معرفة مكان استقرار سليماني ومتابعة تحركاته.

أما عن علاقته باغتيال سليماني، فقد كان موسوي ــ مجد رهن الاحتجاز عندما استُهدف الشهيد في الثالث من كانون الثاني/يناير الماضي بطائرة أميركية مسيّرة قرب مطار بغداد الدولي، وهو ما يثير تساؤلات عن مدى علاقته بالاغتيال، إذ لم يقدم إسماعيلي تفاصيل أكثر عن عمل موسوي ــ مجد في كشف مكان سليماني دائماً، لكن التقديرات تشير إلى أنه قد يكون عاملاً مساعداً، على الأقل، في محاولة اغتيال سابقة في تشرين الأول/نوفمبر 2019. آنذاك، كشف رئيس استخبارات الحرس الثوري، حسين طائب، أن فريق اغتيال دخل إيران خلال «إحياء ذكرى استشهاد السيدة فاطمة الزهراء»، واشترى أعضاؤه عقاراً مجاوراً لحسينية والد سليماني في كرمان، حيث أعدوا نحو 500 كلغم من المتفجرات لوضعها تحت الحسينية عبر ممر تحت المبنى، بغية تفجيره عند وجود الشهيد الذي دأب على الحضور سنوياً هناك خلال إحياء عاشوراء.
«حكم الإعدام سيُنفذ قريباً»، هذا ما أكده إسماعيلي، في وقت كانت فيه طهران وواشنطن تتمان عملية لتبادل السجناء قبل أيام. كما لا يستبعد أن تكشف تفاصيل أخرى عن دور موسوي ــ مجد جرى تأجيلها لاعتبارات أمنية، وفق مصادر مطلعة. وفي العام الماضي، ذكر مدير دائرة «مكافحة التجسس» في وزارة الأمن الإيرانية أن سلطات البلاد حدّدت هويات 17 جاسوساً درّبتهم الاستخبارات الأميركية، وأنه صدرت أحكام بالإعدام على بعضهم. وفق المسؤول نفسه كان تفكيك هذه الشبكة «الضربة الثانية كبراً لجهاز التجسس الأميركي في إيران»، من دون أن يذكر الأولى. تتحدث المصادر نفسها أن «الضربة الأولى والأقسى» كانت في زمن اقتحام السفارة الأميركية لدى طهران. في ذلك اليوم، بعد أقلّ من تسعة أشهر على إطاحة الشاه محمد رضا بهلوي المدعوم من واشنطن، اقتحمت السفارة القوات الثورية مع الطلاب الذين طلبوا تسلّم بهلوي بعد إدخاله مستشفى في الولايات المتحدة، لكن هذا لم يكن وحده سبب الاقتحام، إذ إن القوات كانت تبحث عن أمور أخرى أهم في السفارة الجاثمة على مساحة تبلغ 60 هكتاراً وسط العاصمة. تلك المساحة تضمّنت نحو 30 مبنى متعدّدة المهمات: مكتب رئيسي كبير، ومقر السفير، ومركز قيادة البعثة الأميركية، ومركز الاستعلامات، والقسم التجاري، ومنازل الملحقين العسكريين... والأهم مبنى تابع لوكالة الاستخبارات لا وزارة الخارجية.
دخل المعنيون هناك سريعاً، واستحصلوا على ملفات حساسة، وملفات أخرى كانت متلوفة. استمر العمل أربع سنوات لتجميع الأخيرة وإصلاحها من أجل إخراج المعلومات منها. جهد أفضى بدوره إلى كشف شبكات التجسس الأميركية في الجمهورية ومعرفة الخطط والأهداف التي تسعى إليها وكيفية تجنيد العملاء والمواصفات المطلوبة فيهم، كما كشفوا عبر الأوراق شبكات أميركية تعمل خارج إيران. لكن إعدام موسوي ــ مجد ليس الأول من نوعه في قضايا شبيهة، ففي عام 2013، نُفذ الإعدام بحق محمد حيدري وكورش أحمدي بعدما أُدينا بالتجسس لـ«الموساد» و«الاستخبارات الأميركية»، إذ عملا على جمع معلومات عن ضباط الحرس. أيضاً في آب/أغسطس 2011، صدر حكم مشابه بحق مجيد جمالي فشي المتهم باغتيال العالم النووي مسعود علي محمدي في كانون الثاني/يناير 2010. وقبله، في تشرين الثاني/نوفمبر 2008، أُعدم علي أشتري الذي أدين بتهمة التجسس لـ«الموساد». كما لا تغيب قصة العالم الإيراني المتخصص بالفيزياء النووية شهرام أميري الذي فُقد أثناء أداء مناسك العمرة في السعودية عام 2009، ليتبين بعدها أنه في الولايات المتحدة. ثم في عام 2010 رجع إلى بلاده واحتفوا به بصفته سجيناً عند الأميركيين، لكنه أُعدم بعد ست سنوات لثبوت تعاونه مع الأميركيين. هكذا، تأتي ضربة إعدام موسوي ــ مجد كحلقة جديدة في مسلسل كسر قدرات الاستخبارات الأميركية، ووضعها تحت مقصلة الإيرانيين.