لطالما تعثرت التحرّكات الاحتجاجية الأميركية في مسعاها إلى تحقيق عدالة عرقيّة. في الولايات المتحدة، بقي «الماضي الجميل»، كما سمّاه الرئيس دونالد ترامب، راهناً، وإن بأشكال اختلفت مع المراحل والأزمان. هي أميركا نفسها التي آثرت الحفاظ على هذا الماضي عن طريق ممارساتها وتخليد أيقونات «نهضتها» المنتشرة على طول البلاد، مِن المستعمر الأوّل كريستوفر كولومبوس إلى قادة الكونفدرالية (الحرب الأهلية التي مزّقت الولايات بين 1861 و1865، وكان سببها الرئيسي نظام العبودية الذي انقسمت إزاءه البلاد بين ولايات شمالية حاربت هذا النظام، وجنوبية رفضت تحرير العبيد وأعلنت انفصالها عن الاتحاد وتأسيس كونفدرالية)، وغيرهم ممَّن شيّدوا البناء الضخم، وانتهاءً بشكله الحالي. في هذه الأرض، هناك مَن لا ينكر فضل الجيل الأوّل وإرث العبودية، اللبنة الأولى لما آلت إليه البلاد! النقاش، الذي تجدَّد جراء مجزرة تشارلستون (2015) ولاحقاً واقعة شارلوتسفيل (2017)، اكتسب زخماً أكبر في غمرة الاحتجاجات الراهنة: ماذا عن إرث العبودية و«إرثنا» العنصري؟ هل يبقى النقاش في إطار نظري ضيّق كما كانت الحال في السنوات السابقة؟ وهل يكفي الجمهور الغاضب تحطيم بعض التماثيل والدفع في اتجاه تغيير أسماء قواعد عسكرية سُمِّيت تيمّناً بقادة كونفدراليين، لتسليط الضوء على جوهر المشكلة؟

لا شكّ في أن كثيرين يعيدون التفكير في العنصرية المؤسِّسة التي أدّت إلى فقدان المساواة العرقية، لكنّ هناك أموراً لا تقبل الرتق. جريمة قتل جورج فلويد، والاحتجاجات التي خرجت على خلفيّتها للمطالبة بالعدالة العرقية، دفعت كثيرين إلى العودة إلى التاريخ، فاستهدف محتجون في مدن عدّة نصباً تذكارية تعود لجنرالات وسياسيين من الجنوب المؤيِّد للعبودية، ومنها تمثال في ريتشموند لجيفرسون ديفيس، رئيس الولايات الكونفدرالية. وإن كانت رموز الكونفدرالية هي الأكثر استقطاباً بين النصب التذكارية، فإن المسألة شملت الولايات المتحدة بأسرها: قُطع رأس تمثال لكولومبوس في بوسطن، وتعرض آخر للتخريب في ميامي، فيما رُمي ثالث في بحيرة في فيرجينيا، ورابع أُسقط في مينيسوتا. الجدل بشأن النصب التذكارية العائدة إلى الحقبة الكونفدرالية يدور منذ سنوات، إذ سبق أن أعرب مدافعون عن الحقوق المدنية عن غضبهم من «السير في شوارع تحمل أسماء عنصريين وشخصيات تؤمن بنظرية تفوق البيض». لكن جهود إزالة النصب اكتسبت زخماً بعد جريمة كنيسة تشارلستون بكارولاينا الجنوبية (2015)، حين أطلق مسلحون يؤمنون بتفوّق العرق الأبيض النار على تسعة أميركيين سود وأردوهم. على أن إزالة هذه الرموز لن تؤدي إلى محو قرون من القمع والعنف والكراهية، لكن الفعل بحدّ ذاته لم يكن معهوداً في السابق.

تحطيم «الأيقونات» «ظاهرة تحدث كلّما حدثت لحظة ثورية»


مع تجدّد المطالبات وإعادة إحياء النقاش حول إرث العبودية، اقترحت رئيسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، إزالة 11 تمثالاً لعسكريين ومسؤولين كونفدراليين من «الكابيتول»، «تكرّم الكراهية وليس التراث»، فيما يشكِّل وجودها «إهانة بشعة لمُثُل» الديموقراطية والحرية. لم تكن تلك المرة الأولى التي توجّه فيها بيلوسي دعوة مماثلة، إذ سبق أن طالبت عام 2017 رئيس مجلس النواب آنذاك، بول راين، بإزالة التماثيل بعد أيام من واقعة مدينة شارلوتسفيل بفيرجينيا، حين تجمّع أفراد من اليمين المتطرّف كانوا يحتجّون على تفكيك تمثال قائد الجيش الجنوبي، الجنرال روبرت لي. أما ترامب، الذي دافع في السابق عن بيض شارلوتسفيل، فإن اقتراح إزالة أسماء جنرالات كونفدراليين عن قواعد عسكرية، رغم إبداء «البنتاغون» استعداده للنظر فيه، مرفوض. وجد الرئيس نفسه متورّطاً في الدفاع عن حقوق الجنرالات: «البعض اقترح إعادة تسمية ما يصل إلى عشر من قواعدنا العسكرية الأسطورية، مثل فورت براع في كارولينا الشمالية، وفورت هود في تكساس، وفورت بينينغ في جورجيا... صارت هذه القواعد العسكرية الآن جزءاً من التراث الأميركي العظيم».
ترى أستاذة العلوم السياسية المساعدة في جامعة إيموري آندرا غيلسبي، أن «وتيرة ذلك تزداد حالياً بسبب المطالبات والغضب الشعبي»، وتعتقد أن «ما نراه هو إعادة نظر في الكثير من فرضياتنا وتحدٍّ لأنماط عدّة من التاريخ وفق تأثيره في الأميركيين مِن أصول إفريقية»، لأن «هذه لحظة تتسلّط فيها الأضواء على العنصرية ضدّ السود، لكن دون استثناء أشكال أخرى من الاضطهاد العرقي». كذلك، توضح أستاذة التاريخ في جامعة «ديوك» لورا إدواردز، أن «الناس بدأوا يدركون أن لهذه الرموز معانيَ سياسية، وأنها تتسبّب في مشكلات بأشكال لم يكونوا يدركونها»، فـ«وصفُ ذلك بالتراث لم يعد سهلاً»، لأن إطاحة رموز الكونفدرالية وتماثيل كولومبوس «مرتبطة بعضها ببعض»، إذ تشكِّل جميعها «الاستعمار العنيف للولايات المتحدة». تحطيم الأيقونات (Iconoclasm) «ظاهرة تحدث كلّما حدثت لحظة ثورية»، كما يقول جيمس سيمبسون، وهو أستاذ اللغة الإنكليزية في جامعة هارفرد، «في لحظة ثورية، إن الطريقة الأنجع لمهاجمة النظام القديم تكون في مهاجمة النُصب». حدث ذلك في جميع أنحاء العالم، من الإمبراطوريتين المصرية والبيزنطية إلى عصر «الإصلاح الأوروبي»، إذ يحمل تحطيم الأيقونات قوّة بذاته ربما تضاهي تلك التي تتمتّع بها الصور والتماثيل. بالنسبة إلينا، يقول سيمبسون، إن «الصورة لها دائماً أهمية عميقة لأنها ليست شيئاً من الماضي فحسب».