على مسافة أشهر قليلة من رئاسيات 2020، وجدت فضيحة جديدة طريقها إلى البيت الأبيض. الفضيحة، وإذ تضاف إلى سلسلة انتكاسات الرئاسة الأميركية لهذا العام، فإنها جاءت هذه المرّة بتوقيع مجتمع الاستخبارات الذي سرّب إلى كبريات وسائل الإعلام المحليّة، في وقت واحد، تقارير تفيد بأن «جهاز الاستخبارات المركزية» (CIA) خلص، قبل أشهر، إلى أن روسيا دفعت سرّاً أموالاً إلى مقاتلين مقرّبين من حركة «طالبان» كي يقتلوا عسكريين أميركيين، أو عناصر من «حلف شمال الأطلسي» في أفغانستان. التسريب الذي أربك البيت الأبيض ورئيسه بدا موجّهاً في مسارَين، ليصبّ أخيراً في إضعاف حظوظ دونالد ترامب المقبل على انتخابات لم تعد محسومة له. المسار الأوّل هو تبيان تقديراته غير الصائبة في «الانفتاح» على الروس، والثاني تخريب اتفاقه الموقّع مع «طالبان»، الهادف إلى انسحاب القوات الأميركية.

طبعت الولاية الأولى لترامب بمحاولات غير مثمرة في التقارب مع روسيا، ومع اقتراب انتهاء رئاسته لا يزال تحقيق هذه الرغبة يصطدم بعقبات آخرها قضية معقدة عُدَّت تذكيراً ممن يخالفونه هذا التوجُّه، وعلى رأسهم «البنتاغون»، باستحالة تطبيع العلاقات. مع ذلك، لا يزال الرئيس مصراً على إحداث خرق في العلاقات رغم الانتقادات التي طاولته بعد اقتراحه دعوة نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، إلى القمة المقبلة لـ«مجموعة السبع» المُقرَّرة في واشنطن، في وقت تُتَّهم فيه موسكو بدفع أموال إلى «طالبان» لقتل جنود غربيين. لكن ذلك لم يمنع وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، من تجديد الدعوة، مذكّراً بأن الرئيس «هو من يقرّر إن كان يريد مجيئه (بوتين) إلى القمة»، ومعرباً عن اعتقاده بأن «من المهمّ زيادة وتيرة التعامل مع الروس». ومن شأن التقارير، التي نفتها موسكو و«طالبان»، والتي تشير إلى أن ترامب ربّما غضّ الطرف عن تهديد يحدق بقواته لتحسين العلاقات مع روسيا، أن تضرّ بمساعيه لولاية ثانية في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وفق التقارير المسربة إلى «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، حصلت CIA على «معلومات مؤكّدة» تفيد بأن «الوحدة 29155»، التابعة لجهاز الاستخبارات العسكرية الروسي، قدَّمت مكافآت إلى مسلّحين «مرتبطين بطالبان» مقابل قتلهم جنوداً أميركيين في أفغانستان. مكافآت هدفت، وفق التقارير، إلى تحفيز المسلحين على استهداف القوات الأميركية، بينما يسعى ترامب إلى سحبها استناداً إلى نص الاتفاق الموقّع بينه وبين الحركة نهاية شباط/فبراير الماضي. ونقلت الصحف عن مصادر في الاستخبارات أن هذه المعلومات رُفعت إلى الرئيس وبحثها «مجلس الأمن القومي» في البيت الأبيض نهاية آذار/مارس، من دون أن يتّخذ أيّ قرار في شأنها، رغم طرح خيارات: تقديم احتجاج دبلوماسي رسمي إلى موسكو، فرض عقوبات عليها، استهدافها بأعمال انتقامية أخرى. وتزايدت التساؤلات منذ عطلة نهاية الأسبوع الماضي في هذه القضية، وعزّزها بيان مرتبك من البيت الأبيض، فأشار بداية إلى أن الاستخبارات لم تعتبر تلك المعلومات «موثوقة»، قبل أن يتحدّث عن «غياب التوافق» حولها في أوساط الاستخبارات. وفي تقرير يناقض تأكيد ترامب أنه لم يُبلغ بهذا التهديد، دحضت «نيويورك تايمز» رواية البيت الأبيض، مؤكدة أن الرئيس تسلّم من شباط/فبراير (تاريخ توقيع الاتفاق مع «طالبان») بلاغاً خطياً بشأن «المكافآت الروسية».

تضرّ قضية «المكافآت الروسية» بمساعي الرئيس لولاية ثانية


وسط الجدل القائم، لم تتوانَ الطبقة السياسية المناهضة لروسيا عن التصعيد، فبرزت مواقف في صفوف الحزب الجمهوري عبّرت عن القلق إزاء خطورة الاتهامات، إذ كتب العضو الجمهوري في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ توم تيليس، على «تويتر»: «إذا تأكَّدت صحة تقارير الاستخبارات عن أن روسيا أو أي دولة تعرض مكافآت مقابل جنود أميركيين، سيتعيّن التعاطي معها كدولة راعية للإرهاب». أما الرئيس الديموقراطي للجنة الاستخبارات في مجلس النواب، آدم شيف، فقال: «أجده أمراً لا يمكن تفسيره: الرئيس في ضوء هذه المزاعم العلنية جدّاً لم يخرج أمام الأميركيين ليقول لهم إنّه سيفتح تحقيقاً لمعرفة هل يضع الروس مكافآت على رؤوس عسكريين أميركيين»، مضيفاً: «في حال لم يطّلع ترامب فهذه مشكلة، وإذا اطّلع ولا يزال يريد إعادة روسيا إلى مجموعة الدول الثماني، فهذا أسوأ».