تجاهَل رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، التفجير الذي وقع في منشأة نطنز النووية الإيرانية يوم الخميس الماضي، على رغم بروز تلميحات إلى مسؤولية إسرائيل عنه. كذلك، تهرّب رئيس الحكومة البديل، وزير الأمن بني غانتس، من الإجابة عن أسئلة حول الموضوع نفسه، قائلاً: «ليس كلّ حدث تشهده إيران يعني أن إسرائيل على ارتباط به»، مضيفاً إنه يمكن للجميع الاشتباه في إسرائيل طوال الوقت. لكن غانتس جدّد اعتباره «إيران النووية خطراً على العالم والمنطقة وإسرائيل»، مؤكداً أن تل أبيب «تواصل العمل في جميع المجالات والساحات للحدّ من إمكانية وصول إيران» إلى تلك القدرات.

من الواضح أن منشأة نطنز، التي لم يُعلَن حتى الآن سبب الحريق الذي شهدته وأدّى إلى أضرار جسيمة فيها، تحظى بأهمية خاصة كونها تمثل إحدى أهمّ المنشآت النووية الإيرانية. إذ تحتوي المنشأة المذكورة أجهزة الطرد المركزي الحديثة والأكثر سرعة، وهو ما يقلق تل أبيب وواشنطن، بحسب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، التي اعتبرت كذلك أن من غير الضروري أن «تكون جميع الأحداث (التي شهدتها إيران) نتيجة هجمات مخطّط لها، وأن جميعها نَفّذها فاعل واحد».
في هذا الإطار، يَفترض العديد من الخبراء والمعلّقين في إسرائيل مسؤولية الأخيرة عن حادثة نطنز. ويدرج هؤلاء الحادثة في إطار الأثمان التي تدفعها طهران لدعمها المقاومة في لبنان وسوريا والعراق، ولمواصلتها إنتاج الصواريخ البعيدة المدى وتطويرها، وهو ما تهدف هذه الهجمات إلى عرقلته. لكن، وبمعزل عن دور إسرائيل في ما حدث، فإن الهجوم الأخير يأتي ليستكمل مسلسلاً من الخطوات التي استهدفت كبح تقدّم إيران في أكثر من مجال إقليمي وصاروخي ونووي، من دون أن تنجح في إرساء معادلة الردع المرجوّة. مثال ذلك أن كلّ المساعي التي بذلتها مختلف أجهزة الاستخبارات الدولية والإقليمية والإسرائيلية لعرقلة تقدّم إيران التكنولوجي والعلمي، ومن ذلك اغتيالها علماء البلاد النوويون، أخفقت في إيقاف هذا المسار على رغم أنها نجحت آنذاك في تبطيئه.
أيضاً، وفي أعقاب إبرام الاتفاق النووي الذي انتزعت بموجبه إيران اعترافاً دولياً بمكانتها النووية وكشفت محدودية خيارات الولايات المتحدة وإسرائيل، لم ينجح الرهان على أن يولّد هذا الاتفاق تداعيات داخلية تُغيّر توجهات طهران الاستراتيجية. ومع تسلّم دونالد ترامب سدّة الرئاسة الأميركية، انتعشت آمال تل أبيب والعواصم العربية المعادية لطهران في انقلاب الموازين ضدّ الأخيرة. إلا أن المفاجأة - الصدمة تمثّلت في عجز استراتيجية «الضغوط القصوى» عن إسقاط النظام أو احتوائه أو منع تمدّد نفوذه إقليمياً.

تجد تل أبيب نفسها مدفوعة إلى محاولة تسجيل إنجازات موضعية


لقد أضحت إيران، بالنسبة إلى إسرائيل، التهديد الأكبر لوجودها، وهو ما تعبّر عنه مؤسسات الكيان السياسية والأمنية بشكل صريح ومباشر، وتبني على أساسه استراتيجيتها المضادّة على المستويات كافة. لكن الحقيقة - التي لا ينكرها حتى الأعداء - أن إيران بلغت مرحلة لم يعد معها بوسع إسرائيل أو غيرها من القوى وقف تطورها العلمي والنووي والصاروخي. كذلك، وعلى رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد الإيراني جرّاء العقوبات الأميركية، إلا أن طهران أثبتت أنها ماضية في خياراتها، وهو ما وضع تل أبيب أمام تحدٍّ غير مسبوق، يدفعها بين الحين والآخر إلى محاولة تسجيل إنجازات موضعية في هذا الاتجاه أو ذاك. وهي، وإن نجحت في تأخير إيران أو تدفيعها كلفة زائدة، إلا أنها لن تفلح في ثنيها عن سياساتها وفق ما أثبتته التجارب، بل إن تلك العمليات الموضعية لا ترقى - بحال من الأحوال - إلى مستوى الضغوط السابقة التي صمدت إيران في وجهها وتجاوزتها.
مع ذلك، وعلى رغم انشغال العالم بمواجهة تفشّي وباء «كورونا»، تجد إسرائيل نفسها ملزمة بخطوات عملانية مضبوطة، لا تكفل إنهاء التهديد، لكنها - بالنسبة إلى تل أبيب - أفضل من البقاء مكتوفة اليدين. هكذا، تعمل الدولة العبرية حالياً وفق قاعدة: ما لا تستطيع منع تحققه، يفترض بك تأخيره قدر الإمكان، وجعله أكثر كلفة. لكنّ عقوداً من الصراع أثبتت أن هذا المنطق لم يؤتِ أكله في مواجهة إيران.