سلسلة الانفجارات «الغامضة» التي وقعت في إيران تؤكد أن المواجهة بين التحالف الأميركي - الإسرائيلي ومحور المقاومة، وفي قلبه إيران، إلى تصاعد، رغم جملة التطورات الدراماتيكية التي شهدها العالم، وبشكل خاص الولايات المتحدة. فجائحة «كورونا» وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية الكارثية عليها، والاحتجاجات الشعبية على العنصرية المؤسسية بعد جريمة قتل جورج فلويد من قبل الشرطة الأميركية، وما قد ينجم عنهما من آثار شديدة السلبية على إمكانية فوز دونالد ترامب برئاسة ثانية، هي اعتبارات لم تمنع جميعها الفريق المشرف على ملف إيران في واشنطن، المتصهين أيديولوجياً وعقائدياً، من المضيّ في سياسة تسعير «الحرب الهجينة» التي تشن عليها وعلى حلفائها.

ستكشف الأيام، ربما، كيفية وقوع هذه الهجمات، وإذا ما كانت من فعل إسرائيل وحدها، أو ناجمة عن تعاون أميركي - إسرائيلي، إلا أن الفريق المشار إليه، وعلى رأسه مايك بومبيو، وزير الخارجية الأميركي، يتحمّل مسؤولية كاملة عمّا وقع في إيران، لا تقل عن مسؤولية رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو. فإسرائيل، المدركة للتحولات في ميزان القوى في الإقليم، لا تتجرأ على المبادرة إلى مثل هذا الأمر من دون ضوء أخضر أميركي. ويضاف إلى ذلك أن ما جرى، حتى ولو نتج عن قرار إسرائيلي بالرد على هجمات سيبرانية إيرانية، كانت هي بدورها ردوداً على هجمات إسرائيلية سبقتها، يندرج بمجمله في سياق الحرب الهجينة المتبعة ضد إيران وحلفائها، والتي تستخدم فيها «الضغوط القصوى» الاقتصادية والمالية، و«عمليات ما دون الحرب» بجميع أشكالها.
دُشّن هذا النمط الجديد من العمليات في سوريا منذ 2014، وأصبح يشمل العراق السنة الماضية، ويبدو أننا أمام محاولة لتوسيعه باتجاه إيران اليوم. غير أن الاستهداف «الهجين»، السيبراني أو غيره، لمنشآت البرنامجين النووي والصاروخي في إيران، يمثّل تجاوزاً لخطوطها الحمر، وتهديداً لأمنها القومي، من الصعب أن تكتفي إزاءهما فقط ببيانات إدانة واستنكار وتحذير.
يعزو عدد من الخبراء القرار الإسرائيلي بالقيام بمجموعة من العمليات ضد مواقع حساسة جداً في إيران، خلال العشرة أيام الماضية، إلى الرغبة في توجيه رسالة «رادعة» و«قوية» لها. والردع بالمفهوم الإسرائيلي غالباً ما يعني اللجوء إلى القوة المفرطة والرد غير المتناسب في مقابل أي عمل يصنّف تحدّياً لقدرات إسرائيل. يكفي للتأكد من ذلك مراجعة سجلها في سوريا خلال السنوات الأخيرة، ومئات الغارات، وهي جزء من «آلاف الهجمات» بحسب غادي أيزنكوت، رئيس الأركان الصهيوني السابق، ضد مواقع تزعم أنها مخازن ومصانع للصواريخ.
صنّفت إسرائيل عملية تطوير القدرات الصاروخية عند إيران وحلفائها على أنها تهديد وجودي، لا على أنه شل لقدرتها على المبادرة بالحرب مثلاً، وبات التصدي المباشر لها مبرراً. المنطق نفسه يستخدم حالياً لتسويغ العمليات التي نفّذت ضد إيران بذريعة أن الأخيرة متهمة بهجوم سيبراني ضد شبكة المياه الإسرائيلية في أيّار/مايو الماضي كاد يؤدي، بحسب «فايننشال تايمز»، إلى حرمان عشرات الآلاف، وبينهم مزارعون، من الماء، وبتسميم المئات نتيجة رفعه مستوى الكلور فيها.

أكثر ما يستفز إسرائيل هو معلومات عن تعديلات تكنولوجية نوعية على الصواريخ

الهجوم السيبراني على ميناء «الشهيد رجائي» في بندر عباس ليس كافياً، من المنظور الإسرائيلي، لنهي إيران عن تكرار ما فعلته، والمطلوب هو خطوات تصعيدية تظهر استعداداً للذهاب إلى مستوى أعلى من المواجهة، وتخدم استراتيجية «الضغوط القصوى»، المؤلمة جداً بالنسبة إلى طهران. المشكلة أن الأخيرة أبدت طاقة عالية جداً على احتمال الألم. وكما لم تمنعها، هي وحلفاءها، «عمليات ما دون الحرب» من استمرار مراكمة وتطوير القدرات العسكرية والصاروخية في سوريا، ويضيف بعض المطلعين العراق، وقبلهما لبنان، ومضت في مسار «بناء تحت النار»، فهي لن تتوقف عن ذلك في داخل حدودها.
يشير هؤلاء المطلعون إلى أن أكثر ما يستفزّ إسرائيل هو معلومات متواترة عن إدخال تعديلات تكنولوجية نوعية على الصواريخ، تزيد من دقتها، وخاصة من قدرتها التدميرية. بمعزل عن مدى صحة هذه المعطيات، الواضح هو أن الاستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران وحلفائها لم تحقق أياً من أهدافها الرئيسية، وفي مقدمتها تلك المتعلقة بنمو قدراتهم العسكرية والصاروخية. وفي ظل العجز عن الذهاب إلى الحرب لتغيير الوقائع بالقوة، نتيجة لتحولات ميزان القوى في الإقليم وتبعات «كورونا» في أميركا وإسرائيل، يبقى الخيار المتاح أمامهما هو تشديد الحصار والتجويع والعمليات الهجينة. وهناك من يعتقد في إسرائيل أن فرص إعادة انتخاب الفريق الحالي في الولايات المتحدة تتراجع، وأن فوز جو بايدن قد يعني العودة إلى سياسة تخفيض التوتر مع إيران في الحد الأدنى، وأن من الضروري انتهاز فرصة الأشهر الأخيرة لتوجيه ضربات موجعة لها. هذا ما قد يفسّر تجاوز خطوطها الحمر في الهجمات الأخيرة ضدها، وسيتضح في القادم من الأيام إذا ما كان خطأً في تقدير الموقف.