تحوّلت «آيا صوفيا» في إسطنبول إلى عنوان صدامي للعلاقات العثمانية - البيزنطية ومن ثم بين العثمانيين المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس، ومن ثم كل المسيحيين.

السلطان محمد الثاني لُقّب بـ«الفاتح» بسبب نجاحه في إسقاط القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام 1453، وكان له من العمر 24 عاماً. ومن ثم حوّل محمد الفاتح الكنيسة إلى مسجد وبنى لها مئذنة، ولاحقاً أضاف إليها خلفاؤه ثلاث مآذن.
كانت كنيسة «آيا صوفيا» قد بنيت في عهد الإمبراطور البيزنطي جوستنيان عام 537. واستمرت مسجداً حتى عام 1934 عندما حوّلها مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف، ولا تزال بهذا الوضع القانوني حتى الآن.
الدعوات لإعادة الكنيسة مسجداً لم تنقطع على امتداد العهد الجمهوري. لكن عشية الانتخابات البلدية الأخيرة في آذار/ مارس 2019 أطلق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان موقفاً أثار من جديد حرباً كلامية بين المؤيدين والمعارضين وبين تركيا والخارج الأوروبي ولا سيما اليونان.
كان إردوغان في مدينة تكيرداغ خلال الحملة الانتخابية عندما صاح شخص من الجمهور «لتفتح آيا صوفيا». ولم يخيّب إردوغان ظن صاحب هذه الصرخة، فأجاب في المهرجان: «أوّلاً، املأوا مسجد السلطان أحمد (القريب من آيا صوفيا) ومن ثم ننظر في الأمر الآخر. وإلا فهذا فخ». لكن إردوغان أضاف: «نحن نعرف جيّداً متى وكيف نفعل هذا. الذين لا شرف عندهم يقولون إننا لن نقدم على أي خطوة. نحن نعرف جيّداً العلم السياسي الذي يعرف متى تؤخذ هذه الخطوة».
فتح إردوغان الباب مجدداً على الدعوة لجعل «آيا صوفيا» مسجداً.
في 29 أيار/ مايو الماضي، تاريخ الاستيلاء على القسطنطينية، أقام حزب «العدالة والتنمية»، وبرعاية مباشرة من إردوغان، عن بعد بسبب «كورورنا»، احتفالية بصرية ضخمة تروي كيف تم اختراق أسوار المدينة واحتلالها. ومن وقتها طرحت أمام «مجلس الشورى» مسألة تحويل «المتحف» إلى جامع. وأعطى المجلس مهلة حتى 2 تموز/ يوليو لينظر في القضية. كان الجميع ينتظر ما ستسفر عنه مداولات المجلس يوم الخميس الماضي. لكن المجلس أعلن أنه سيعلن القرار خلال 15 يوماً يمنحها له القانون. أي أن القرار النهائي سيكون في حد أقصى بحدود منتصف تموز/ يوليو الجاري.
الرئيس التركي علّق على ذلك بالقول: «نحن ننتظر قرار مجلس الشورى. والخطوة التي سنقدم عليها تنتظر قرار المجلس مهما تكن طبيعته».
بطبيعة الحال، انقسم الأتراك أنفسهم بين مؤيد ومعارض. العلمانيون في المبدأ يعارضون لأنهم يرون أن إردوغان يستخدم هذا الموضوع لحسابات داخلية وخارجية كذلك. داخلياً، لأنه يأتي أوّلاً بمعنى كسر أحد أهم قرارات رمز العلمانية أتاتورك، وثانياً لأنه يريد أن يكسب المزيد من الأصوات المحافظة تمهيداً لانتخابات رئاسية ونيابية قد يفاجئ بها الجميع. أمّا خارجياً، فإن تركيا تشهد المرحلة الأكثر حركة وجلبة، منذ مئة عام، في سياساتها الخارجية مع توسيع حضورها ونفوذها في الشرق الأوسط من العراق وسوريا وقطر إلى ليبيا وشرقي المتوسط. ومثل هذا الموضوع يشكّل تعبيراً عن «صورة القوة» التي تريد تركيا أن تظهر بها أمام العالم وأمام خصومها، ولا سيما اليونان وفرنسا.
الولايات المتحدة تدخلت في الموضوع عندما دعا وزير خارجيتها مايك بومبيو تركيا إلى عدم تغيير الواقع القائم حالياً باعتبار «آيا صوفيا» متحفاً.
بدورها، روسيا كان لها موقف واضح عندما أشارت ماريا زاخاروفا، الناطقة باسم وزارة الخارجية، إلى «آيا صوفيا» على أنها كنيسة ولا مثيل لها في هندستها المعمارية.
أمّا المعني الأوّل المباشر بالموضوع، فهو بطريرك الروم الأرثوذكس في تركيا بارثولوميوس، الذي قال إن «تحويل آيا صوفيا إلى جامع سيثير ملايين المسيحيين ضد الإسلام. فيما المطلوب هو الوحدة». وبالمناسبة، فإن تركيا تعتبر بطريركة الروم الأرثوذكس في إسطنبول مجرد مؤسسة تركية محلية تابعة لبلدية الفاتح، فيما يعتبر الأرثوذكس أن للبطريركية طابعاً عالمياً وتمثّل كل أرثوذكس العالم مثل الفاتيكان للكاثوليك.
بمعزل عن قرار مجلس الشورى غير الملزم، فإن القرار النهائي لتحويل «آيا صوفيا» إلى جامع يعود لتقدير الرئيس التركي. والتقييم يفترض أن يأخذ في الاعتبار مجمل الظروف الاستراتيجية والحسابات السياسية لتركيا في الخارج قبل الداخل، قبل أن يفكّر الرئيس بإصدار مرسوم جمهوري بهذا الخصوص. وإذا كان البعض يرى أن تركيا تنتظر بعض الأثمان مقابل التخلي عن مثل هذه الخطوة، فإن أي قرار بتحويل «آيا صوفيا» إلى جامع سيشكّل خطوة استفزازية كبيرة للمسيحيين، ولا سيما الأرثوذكس منهم.