في أحدث تعليق أميركي، بعد إعلان الحكومة البريطانية أمس قرارها حظر مشاركة شركة «هواوي» الصينية في شبكة الجيل الخامس، راضخةً بذلك للضغوط الأميركية التي مورست على لندن («الأخبار»، عدد 15 تموز) أعلن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو أنّ بلاده «ستحظّر منح تأشيرات دخول لبعض موظفي شركة هواوي»، التي تتهمها واشنطن بالتجسّس لحساب بكين. وأثنى بومبيو على قرار الحكومة البريطانية فكّ ارتباطها مع «هواوي»، موضحاً أنّه سيزور المملكة المتحدة والدنمارك الأسبوع المقبل.

كلام بومبيو يأتي بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّه كان «مسؤولاً عن قرار رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون منع شركة هواوي من العمل في شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول في بريطانيا ابتداءً من نهاية 2027». وقال ترامب إنّه «أقنعنا الكثير من الدول بأن لا تستخدموا هواوي لأنّنا نعتقد أنّها غير آمنة وتُشكّل خطراً أمنياً، إنها خطر أمني كبير. وقد فعلتُ ذلك (إقناع الدول بوقف التعامل مع الشركة الصينية) بنفسي».
وكان جونسون قد أمر بتفكيك معدات «هواوي» بالكامل من شبكات الجيل الخامس البريطانية بحلول نهاية 2027، مخاطراً بمواجهة غضب الصين، حين اعتبر أنّ أكبر شركة لصناعة معدات الاتصالات في العالم «غير مرحب بها في الغرب». قرارٌ رغم أنه سيؤثر على الشركات البريطانية بشكل خاص، إلا أنّه يمنح واشنطن «انتصاراً» في معركتها التجارية مع بكين. فالقرار يُهدّد بإلحاق المزيد من الأضرار بعلاقات بريطانيا مع الصين، ويُحمّل كلفة كبيرة لمقدمي خدمات الهاتف المحمول في المملكة المتحدة الذين يعتمدون على معدات «هواوي» منذ ما يقارب الـ20 عاماً. وفي هذا السياق، حذّرت شركات الاتصالات البريطانية من أنّ التخلص من جميع معدات «هواوي» الحالية قد يُكلّفها مليارات وقد يستغرق تنفيذه سنوات. وأثار الرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات البريطانية، فيليب يانسين احتمال تعرّض بريطانيا لـ«انقطاعات» في الخدمة.
رغم ذلك، لم تتراجع الحكومة البريطانية عن قرارها، فقال وزير الإعلام فيها، أوليفر دودن، أمام مجلس العموم بعد اجتماع لمجلس الأمن القومي البريطاني ترأسه جونسون إنّ «مركز الأمن القومي السيبراني أبلغ الوزراء الآن بأنّه عدّل بشكل كبير تقييمه الأمني لمشاركة هواوي في شبكة الجيل الخامس في المملكة المتحدة. من نهاية هذا العام، على مزودي الاتصالات عدم شراء أي من معدات الجيل الخامس من الشركة». وأشار دودن إلى أن هذه الخطوة سوف تُرجئ بدء عمل شبكات الجيل الخامس في بريطانيا لمدة عام، واصفاً القرار بأنّه «لم يكن سهلاً، ولكنّه قرار سليم بالنسبة إلى شبكات الاتصالات البريطانية، وبالنسبة إلى أمننا القومي واقتصادنا، الآن وعلى المدى الطويل على السواء». ولم يُخف دودن أنّه سيكون للقرار «تبعات حقيقية على الاتصالات».
ردّ الشركة الصينية لم يتأخر، فدعت الحكومة البريطانية إلى إعادة النظر في قرارها، مُعتبرةً أنّ الإجراء «محبِط ومُسيَّس». وقال المتحدث باسم الشركة الصينية في بريطانيا، ايد بروستير: «للأسف مستقبلنا في بريطانيا بات مسيّساً، الأمر متعلق بالسياسة التجارية الأميركية وليس الأمن... هذا القرار محبط. إنّه خبر سيّئ لأي شخص في بريطانيا ولديه هاتف نقّال».
وبقرار الاستغناء التدريجي عن «هواوي»، تكون الحكومة البريطانية قد رضخت للضغوط الأميركية، رغم تحذيرات بكين لها من إجراءات انتقامية. ويمنح القرار البريطاني إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتصاراً كبيراً في معركتها الجيوسياسية والتجارية مع الصين. وكانت لندن قد اضطرت إلى مراجعة عقودها مع «هواوي» بسبب العقوبات الأميركية الجديدة في أيار/مايو والهادفة لمنع «هواوي» من تطوير أشباه النواقل في الخارج بالاعتماد على التكنولوجيا الأميركية.
من جهتها، انتقدت الصين قرار بريطانيا القاضي بحظر استخدام معدات «هواوي» بصورة تدريجية، قائلةً إن لندن كانت ضحية «تلاعب» واشنطن بها. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية، هوا تشونيينغ للصحافيين إنّ بلادها «ستتخذ سلسلة من الإجراءات للدفاع عن الحقوق والمصالح المشروعة للشركات الصينية»، مضيفةً من دون مزيد من التفاصيل: «هناك ثمن يجب دفعه». واتهمت المتحدثة الصينية بريطانيا بأنّها تصرّفت بـ«التنسيق مع الولايات المتحدة لممارسة التمييز والاضطهاد والإقصاء بحق هواوي». وتساءلت: «ما الذي تريده المملكة المتحدة حقاً؟ الاحتفاظ بموقفها المستقل؟ أم أن تُختزل إلى دولة تابعة تنقاد لتلاعب الولايات المتحدة بها؟».
ويمكن للقرار البريطاني أن يوجه ضربة إلى الاستثمارات الصينية في بريطانيا في الوقت الذي تعتمد فيه لندن على بقية العالم لتعويض أثر خروجها من الاتحاد الأوروبي. وقالت هوا إن استبعاد هواوي «يهدد بشكل خطير أمن الاستثمارات الصينية في المملكة المتحدة... وهذا يثير التساؤل حول إذا ما كان يمكننا الاعتماد على واقع أن السوق البريطانية لا تزال مفتوحة ونزيهة ومن دون تمييز»، وختمت بالقول: «لقد أحطنا أيضاً جميع الشركات الصينية لكي تدرك أهمية المخاطر السياسية المتزايدة التي قد تواجهها في المملكة المتحدة».