ما إن حاول الاقتصاد الإسرائيلي التقاط أنفاسه إثر انحسار الموجة الأولى من فيروس كورونا، حيث فتحت المؤسسات العامة والخاصة والمحالّ التجارية والمراكز الترفيهية أبوابها، حتّى تجدّدت الخلافات داخل الائتلاف الحاكم على عدد من المسائل، في مقدّمتها موعد تنفيذ ضمّ الأغوار ومستوطنات الضفة الغربية وكيفيته، مروراً بإقرار الموازنة لعام أو عامين، وليس انتهاءً بالتهديد المتواصل من قِبَل رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بالذهاب إلى انتخابات مبكرة وفضّ الشراكة مع حزب «أزرق أبيض» وزعيمه، بني غانتس.

ما كان ينقص هذا المشهد سوى بلوغ الموجة الثانية من الفيروس ذروتها خلال الأسبوع الأخير، بتسجيل أعداد قياسية وغير مسبوقة من المصابين. ولتفادي ما خلّفته الموجة الأولى من تداعيات على الاقتصاد، قدّمت الحكومة خطّتها التي ووجهت بالرفض. هكذا، عاد الآلاف إلى الشوارع، وهذه المرة أمام مقرّ نتنياهو نفسه عند تقاطع شارعَي غزة وبلفور في القدس، احتجاجاً على فشل الحكومة في إدارة أزمة كورونا.

دان حالوتس: علينا إخراج نتنياهو قبل أن يهدم الهيكل الثالث


التظاهرات التي كانت بدأت منذ أشهر، وتقودها بشكل رئيس حركة «الأعلام السود»، تبدو مدفوعةً بثلاثة عناوين: فشل حكومة نتنياهو في السيطرة على وباء كورونا، الفساد الحكومي المستشري وتردّي الأوضاع الاقتصادية. يوم الثلاثاء الماضي، بلغت هذه الاحتجاجات ذروتها، مع تظاهر الآلاف في «بلفور» تحت شعارات مستوحاة من يوم سقوط سجن «الباستيل» الذي انطلقت منه شرارة الثورة الفرنسية. واعتقلت الشرطة الإسرائيلية عشرات المشاركين في التظاهرة، التي تخلّلتها أعمال عنفية ومحاولات لعرقلة حركة القطار الخفيف في القدس. وكان من المتوقّع أن يشهد ليل الخميس - الجمعة أحداثاً مماثلة، لولا أن المحتجّين، الذين اتخذوا من تقاطع «غزة - بلفور» ما يشبه مقرّ إقامة دائماً، استقبلوا الشرطة بفعّاليات «سلمية» من مثل رياضة اليوغا والسيرك.
واقعة الثلاثاء الماضي دفعت بنتنياهو إلى محاولة تقديم «رشوة جماعية» للإسرائيليين بلغت قيمتها نحو ستة مليارات شيكل (قرابة مليار و700 مليون دولار). وهي كناية عن مساعدة مالية لكلّ إسرائيلي بحوالى مئتي دولار، بغضّ النظر عمّا إذا كان المستفيد قد تضرّر من إجراءات الإغلاق خلال الموجة الأولى من الفيروس أم لا، وعما إذا كان خسر عمله أم لم يخسره. على أن محاولة نتنياهو إخماد الغضب الشعبي ضدّه آتت مفعولاً عكسياً، بخروج انتقادات لاذعة لخطوته من جانب شركائه في الائتلاف وخبراء اقتصاديين وسياسيين.
وتمثّل آخر تلك الانتقادات في ما صدر عن محافظ البنك المركزي، أمير يارون، الذي اعتبر أن «ثمة طرقاً أفضل وأنجح لإعطاء الأموال إلى مَن هم في أشدّ الحاجة إليها، وهي أفضل من توزيع الأموال على جميع المواطنين لمساعدتهم على تجاوز الوباء وضخّ الأموال في الاقتصاد المتعثر». وفي مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، أوضح يارون أنه «كان على الحكومة رفع إعانات البطالة بشكل مؤقت وبأثر رجعي للعاطلين عن العمل، أو الذين هم في إجازة من دون راتب، أو العاملين المستقلين، إلى 90 بالمئة من دخلهم الشهري».
من جهتها، رأت المديرة العامة لوزارة المال، كيرين تيرنر- إيال، أن خطة نتنياهو بمثابة «إلقاء لحقائب المال الذي لا نملكه إلى البحر»، بحسب ما نقلت عنها «القناة 13». أما حزب «أزرق أبيض» فلم يتحفّظ على فكرة تحويل الأموال مباشرة إلى المواطنين، إنما يجب - بحسبه - «التركيز على أولئك الذين تضرّرت مصادر رزقهم». ودعا حزب «دريخ إيرتس» الذي يمثله في الحكومة الوزير يوعاز هندل، بدوره، إلى «تعويض المواطنين الذين تضرّروا فقط، وفي مقدّمتهم العاملون المستقلّون والعاطلون عن العمل والعائلات الفقيرة، وليس العائلات العاملة التي لا تحتاج إلى المال». وهو ما ذهب إليه أيضاً وزير الرفاه الاجتماعي والنائب عن حزب «العمل»، إيتسيك شمولي، الذي قال إن «الخطة تتجاهل 80 ألفاً من أصحاب الأشغال المحتاجين إلى الدعم، وهي لا تلتفت إلى تمويل ذوي الاحتياجات الخاصة والأطفال المعرّضين للخطر».

رشوة «بيبي» عبارة عن مساعدة بقيمة 200 دولار لكلّ إسرائيلي


بالتوازي، استمرّ المئات، أمس، في التظاهر أمام مقرّ إقامة رئيس الوزراء في القدس، مؤكّدين مواصلة تحرّكهم حتى تقديم نتنياهو استقالته. وحمل المتظاهرون لافتات كُتب عليها: «مال- سلطة- عالم سفلي (عالم الجريمة)»، و«بيبي هبايتا» (بيبي إلى البيت، أو ارحل). كذلك، بدا لافتاً حضور رئيس هيئة الأركان السابق، دان حالوتس، الذي اعتبر أن «نتنياهو يحوّل إسرائيل إلى دكتاتورية صغرى. ممنوع أن يدفع شعب كامل الثمن... قبل أن يُهدم الهيكل الثالث (في إشارة إلى الدولة العبرية الثالثة) علينا إخراجه من هنا، فهو على استعداد لأن يحرق كلّ شيء»، وفق ما نقل عنه موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت».
وفي حديث إلى الموقع نفسه، قال العازف الإسرائيلي الشهير، أساف أمدورسكي: «أنا أعتذر باسم الجيل الشاب الذي استغرقه وقت طويل ليكون هنا ... ولكن في النهاية نحن هُنا وسنظلّ هنا كلّ أسبوع كي يرحل الفاسد الذي لا أريد ذكر اسمه حتى (نتنياهو)، ذلك الذي وراء الستائر السوداء في المقرّ (الحكومي)».